|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
إياد هديش
!--a>
2026 / 6 / 21
سرطان الدماغ ليس مرضًا عابرًا، بل تجربة وجودية قاسية قد تترك آثارًا عميقة تتجاوز الجسد إلى الوعي والذاكرة والمزاج والعلاقات الإنسانية. حجم الإعاقة التي يخلّفها هذا المرض يختلف من حالة إلى أخرى، تبعًا لموقع الورم داخل الدماغ، وحجمه، ونوعه البيولوجي، وسرعة تطوره، ومدى التدخل العلاجي، إلا أن القاسم المشترك بين معظم الناجين هو أنهم يخرجون من التجربة بأجساد مختلفة ونفوس أكثر حساسية للعالم.
على المستوى الجسدي، قد تظهر إعاقات حركية كضعف الأطراف أو الشلل الجزئي أو فقدان التوازن، وإعاقات حسّية مثل اضطرابات البصر أو السمع أو الإحساس. كما أن إصابة مراكز معينة في الدماغ قد تؤدي إلى صعوبات في النطق، أو اضطراب في فهم اللغة، أو بطء في التفكير واتخاذ القرار. هذه التغيرات لا تعني فقدان القيمة أو العقل، لكنها تفرض إيقاعًا جديدًا للحياة يحتاج إلى صبر وتكيّف ودعم مستمر.
أما على المستوى النفسي والعصبي، فالإعاقة تكون أحيانًا أشد وطأة وأقل وضوحًا. كثير من الناجين يعانون من اضطرابات معرفية وعاطفية مثل ضعف الذاكرة، تشتت الانتباه، الإرهاق الذهني المزمن، إضافة إلى الاكتئاب، القلق، ونوبات الهلع. وفي حالات عديدة، تظهر نوبات صرع أو تغيرات في الشخصية والسلوك، نتيجة التأثير المباشر للورم أو للعلاج الإشعاعي والكيميائي أو استئصال الورم.
من الناحية الطبية، لا يميّز سرطان الدماغ بين رجل وامرأة، لكن المرأة غالبًا ما تتحمّل عبئًا مضاعفًا، لأن الإصابة قد تمسّ نظامها الهرموني بشكل مباشر، خاصة إذا كان الورم قريبًا من الغدة النخامية أو الوطاء (تحت المهاد). وهنا تبدأ سلسلة معقّدة من الاضطرابات الهرمونية التي قد تؤدي إلى انقطاع الطمث المبكر، واضطراب مستويات الإستروجين والبروجستيرون، وهي هرمونات لا تتحكم بالجسد فقط، بل بالمزاج، والاستقرار العاطفي، والشعور بالأمان الداخلي.
انقطاع الطمث الناتج عن إزالة الورم لا يعني فقط توقف الدورة الشهرية، بل قد يرافقه طيف واسع من الاضطرابات النفسية والعاطفية، مثل:
1. تقلبات مزاجية حادة وغير متوقعة.
2. حساسية عاطفية مفرطة أو نوبات بكاء بلا سبب واضح.
3. نوبات غضب أو توتر داخلي يصعب تفسيره.
4. شعور بالفراغ، أو فقدان المعنى، أو الانفصال عن الذات.
5. تراجع الرغبة العاطفية أو تذبذبها بشكل مربك.
6. اكتئاب مرتبط بتغير صورة الجسد والهوية الأنثوية.
هذه الاضطرابات ليست “مبالغة”، وليست ضعفًا في الشخصية، بل استجابة نفسية وبيولوجية مباشرة لاختلال هرموني عميق فرضه المرض والعلاج. الجسد حين يفقد توازنه الهرموني، يهتز معه المزاج، والإحساس بالذات، والقدرة على تنظيم المشاعر.
اجتماعيًا، تعاني كثير من النساء من إعاقة غير مرئية، تتمثل في الوصم، أو التقليل من شأن معاناتهن، أو اختزال قيمتهن في القدرة الإنجابية أو الاستقرار المزاجي. وفي بعض البيئات، تُطالَب المرأة الناجية بأن “تكون قوية” طوال الوقت، وكأن النجاة تلغي حقها في التعب، والانكسار، والتقلّب.
ومع ذلك، فإن هذه التغيرات لا تعني نهاية الحياة العاطفية أو انطفاء الأنوثة. فالحب لا ينبع من الهرمونات وحدها، والأنوثة ليست وظيفة بيولوجية محصورة في الطمث أو الخصوبة. المشاعر، والقدرة على الارتباط، والاحتياج إلى القرب والاحتواء، كلها جذور إنسانية أعمق من أي تغيّر جسدي.
عزيزتي الناجية أكتب لك في هذا الجزء رسالة صريحة من شريك عاطفي متفهّم، من موقع الحب الواعي. أعرف أن اضطرابات المزاج التي تمرّين بها، نتيجة المرض وانقطاع الطمث، قد تجعلك أحيانًا متعبة، متناقضة، أو بعيدة عن نفسك قبل أن تكوني بعيدة عني. أعرف أن تقلباتك العاطفية ليست اختيارًا، بل عبء تحاولين التعايش معه يومًا بعد يوم.
أفهم أن لحظات الصمت، أو الانسحاب، أو التوتر، أو البكاء المفاجئ، ليست رفضًا للحب، بل لغة أخرى للألم، وطلبًا صامتًا للاحتواء. وأقولها بصدق وطمأنينة: أنا أستوعب هذه الاضطرابات، مهما كان حجمها، لأنني محب وعاشق بالأساس، لا أتعامل معك كحالة تحتاج إلى ضبط، بل كإنسانة تستحق الفهم والصبر.
إن الشريك المتفهّم لا يطالب بالاستقرار العاطفي الكامل في جسد فقد توازنه قسرًا، ولا يحاسب على تقلبات سببها خلل هرموني ونفسي معروف. الحب الحقيقي لا يُقاس بمدى سهولة العلاقة، بل بقدرتنا على البقاء حاضرين حين تصبح المشاعر معقّدة، والمزاج هشًا، والطريق متعبًا.
انقطاع الطمث لا يُنهي الأنوثة، واضطراب المزاج لا يُسقط حقك في الحب، والنجاة من السرطان لا تعني أنك مطالبة بأن تكوني قوية طوال الوقت. ما تحتاجينه ليس إصلاحًا، بل احتواء. ليس توجيهًا، بل أمانًا. وأنا هنا، لا لأطلب منك أن تكوني بخير دائمًا، بل لأكون إلى جوارك حين لا تكونين كذلك، لأنكِ، ببساطة، تستحقين الحب كاملًا، واعيًا، وصبورًا، كما أنتِ.
⚓
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|