|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 6 / 25
تصل المرأة السودانية إلى بلد اللجوء بلا وثائق تحميها، بلا شبكات تدعمها، بلا مهارات معترف بها، وبلا مال يكفيها لأكثر من أيام. وهي في هذه اللحظة لا تعبر فقط إلى مرحلة جديدة من حياتها، بل تدخل مباشرة في أقدم آليات الرأسمالية وأكثرها فعالية: جيش الاحتياط الصناعي. هذا المفهوم الذي صاغه ماركس في "رأس المال" يصف الكتلة الدائمة من العمال العاطلين أو شبه العاملين الذين يبقيهم النظام تحت ضغط مستمر، ليكونوا جاهزين في أي لحظة للقبول بأي أجر وأي شرط. اللاجئات السودانيات اليوم هن من أكثر كتائب هذا الجيش هشاشة، لأنه لا يجمع ضدهن عامل واحد فقط، بل كل عوامل الضعف الممكنة: وضعهن القانوني المعلق، ولونهن الذي يعرضهن للتمييز، وجنسهن الذي يدفعهن إلى قطاعات غير محمية، وفقرهن المدقع الذي يمنعهن من أي تفاوض.
العاملة غير الموثقة هي الحلم الرأسمالي المتحقق: جسد يبذل الجهد، ويولد القيمة، لكنه لا يملك حق الشكوى أو الإضراب أو حتى المغادرة. لأنها تعرف أن الترحيل ينتظرها عند أول خطأ، وأي احتجاج قد يعني فقدان الإقامة الهشة التي حصلت عليها بصعوبة. هذه الهشاشة القانونية ليست عيباً في النظام، بل هي ميزته الأساسية، وهي الآلية التي يضمن بها أصحاب العمل بقاء الأجور منخفضة والعمالة خائفة. نظام الكفالة الخليجي هو التعبير الأكثر صراحة عن هذه الآلية، لكن نسخاً معدلة منها موجودة في كل مكان تقريباً، من ضوابط الإقامة، إلى تصريح العمل المقيد بوظيفة معينة لا يمكن تغييرها بسهولة.
حين تبحث المرأة عن عمل، تجد نفسها محصورة في قطاعات محددة لا تحتاج إلى مهارات ولا تطلب أوراقاً ولا تدفع أجوراً عادلة. في مصر، العمل المنزلي هو العنوان الأكبر، مع بعض الفرص في التجارة غير الرسمية والزراعة الموسمية. في الخليج، العمل المنزلي أيضاً هو الغالب، وهناك يتحول إلى علاقة شبه استعباد بفعل نظام الكفالة. في تركيا، توجد المرأة السودانية في ورش الخياطة ومصانع الملابس، بينما في أوروبا تذهب إلى قطاع الرعاية والتنظيف. كل هذه القطاعات تشترك في صفة واحدة: أنها الأكثر هشاشة في سوق العمل، والأقل تنظيماً، والأبعد عن أي حماية قانونية أو نقابية. وهي بالضبط القطاعات التي لا تستطيع الاستغناء عن عمالة خائفة لا تستطيع رفع الصوت ولا المطالبة بحقوقها.
وجود اللاجئات في هذه القطاعات لا يقتصر على استغلالهن هو فقط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل سوق العمل بأكمله. فصاحب العمل الذي يجد عاملة سودانية مستعدة للعمل بنصف الأجر المطلوب، يستخدم وجودها كذريعة لخفض أجور جميع العاملات في القطاع. المرأة المصرية التي تعمل خادمة في منزل آخر تجد نفسها مضطرة لقبول أجر أقل، لأن صاحبة المنزل تعلم أن هناك سودانية مستعدة للعمل بأجر أقل. هذا ليس خطأ المرأة السودانية، ولا خطأ المرأة المصرية، بل هو منطق الرأسمالية التي تستخدم الفقراء ضد بعضهم البعض كي تبقى هي المستفيد الوحيد. الخطاب الشعبوي الذي يصور اللاجئة كمنافسة للعاملة الوطنية هو غطاء أيديولوجي لهذا الاستغلال المزدوج، لأنه يخفي أن العدو المشترك هو صاحب العمل الذي يستفيد من الجميع.
العمل غير الرسمي، حيث تعمل الغالبية العظمى من اللاجئات، ليس مجرد فضاء خارج القانون، بل هو الاقتصاد الحقيقي لملايين البشر. في مصر، يشكل هذا القطاع ما بين أربعين وخمسين بالمئة من الناتج المحلي، وفي تركيا تزيد النسبة، وفي الخليج يختبئ خلف أنظمة الكفالة. والنساء اللاجئات في هذا الاقتصاد يدفعن ثمناً مضاعفاً: أجوراً متدنية، وساعات طويلة، وظروفاً قاسية، وفوق ذلك كله رسوم وابتزازات من موظفي الأمن والوسطاء والمجموعات المحلية التي تتحكم في الوصول إلى العمل. كل هذه التكاليف الخفية تلتهم ما تبقى من دخل هزيل، وتبقي المرأة في دائرة الفقر التي لا تنتهي، ولا تسمح لها بأي تراكم أو ادخار يمكن أن يغير وضعها.
أما الاقتصاد الرقمي، الذي يُقدم أحياناً كمنفذ للخروج من هذا المستنقع، فلا يعدو كونه وهماً آخر. فالعمل الحر عبر الإنترنت أو التسويق الإلكتروني يحتاج إلى إنترنت مستقر، وجهاز حاسوب مناسب، ومكان هادئ للعمل، ومهارات لغوية وحاسوبية، والأهم من ذلك كله وقت فراغ. واللاجئة التي تعمل اثنتي عشرة ساعة في تنظيف بيوت الغير، وتنام في غرفة مكتظة مع عائلتها، وتكافح من أجل تأمين وجبة الطعام لأطفالها، لا تملك شيئاً من هذا. الاقتصاد الرقمي هو رفاهية الطبقات الوسطى، وليس أداة تحرر للنساء الأكثر فقراً، مهما حاولت المنظمات الإنسانية أن تقنعنا بذلك.
جيش الاحتياط الكوني الذي تشكله اللاجئات السودانيات ليس كتلة واحدة، بل هو تراتبية داخلية تعكس التراتبية العالمية ذاتها. فبين المرأة التي تحمل شهادة جامعية وتتحدث لغة البلد المضيف، وتلك التي أمضت حياتها في قرية نائية ولا تعرف القراءة والكتابة، هوة واسعة. الأولى قد تجد فرصة في قطاع الصحة أو التعليم بأجر مقبول، والثانية لا تجد سوى العمل المنزلي أو الشارع. هذا التفاوت لا يلغي حقيقة أن كلتيهما جزء من نفس الجيش الاحتياطي، وأن كلتيهما مستغَلتان بنفس النظام، لكنه يجعل التنظيم أكثر صعوبة، والتضامن أكثر تعقيداً، والرأسمالية أكثر قدرة على توظيف هذا التفاوت لصالحها. لأن الرأسمالية لا تحتاج فقط إلى عمالة رخيصة، بل تحتاج إلى عمالة منقسمة، تتنافس وتتصارع، حتى لا تكتشف أن العدو الحقيقي واحد.
أن تدرك أن اللاجئة السودانية هي جزء من جيش الاحتياط الصناعي العالمي يعني أن تنظر إليها بعيون مختلفة: ليست ضحية تنتظر الإغاثة، بل عاملة اغتصب النظام حقها في الأجر العادل وظروف العمل الكريمة. ليست مشكلة إنسانية تحتاج إلى حلول خيرية، بل قوة طبقة يمكنها أن تنظم وتقاوم. وحتى يصبح ذلك ممكناً، لا بد من كسر هشاشتها القانونية، وإنهاء تنافسها مع العمال المحليين، وبناء تضامن طبقي يعبر الحدود التي وضعتها الرأسمالية لتبقينا منقسمين. كما قال كارل ماركس: "جيش الاحتياط الصناعي ضرورة حيوية للرأسمالية مثل التراكم نفسه." لكن هذه الضرورة ليست قدراً محتوماً، لأن جيش الاحتياط نفسه حين يصبح وعياً وقوة، يمكنه أن يقلب الطاولة على النظام الذي يستخدمه.
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|