|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 6 / 27
في مشاهد العبور الجماعي للحدود، نرى النساء والأطفال في الغالب. الرجال إما قتلوا، أو اعتقلوا، أو جندوا قسراً، أو هجروا في اتجاهات أخرى، أو اختفوا في غبار الحرب دون أثر. لكن من بقي منهم، ومن عبر الحدود مع النساء أو لحق بهن لاحقاً، يعيش أزمة لا تقل فداحة عن أزمة النساء، وإن اختلفت في شكلها ومظاهرها. فهي أزمة ذكورة، أي أزمة هوية كان الرجل يعرف بها نفسه طوال حياته: معيل، حامٍ، قائد، صاحب كلمة. حين تنهار هذه الأدوار في لحظة واحدة، لا ينهار معها دوره الاجتماعي فقط، بل تنهار صورته عن نفسه، وعلاقته بزوجته وأولاده، وموقعه في المجتمع الجديد. الرجل السوداني في اللجوء ليس غائباً، بل هو حاضر بألمه الخاص، وألمه هذا يحتاج إلى قراءة مادية لا تختزله في "ضعف" أو "عنف" أو "هروب"، بل تفهمه كنتيجة حتمية لتصادم بنية ذكورية مع شروط استغلال رأسمالية قاسية.
في السودان ما قبل الحرب، كان الرجل، في الغالب، هو المعيل الأساسي للأسرة. كان يعمل في الزراعة، أو التجارة، أو الوظيفة الحكومية، أو أي عمل آخر يدر دخلاً، وكان هذا الدخل هو ما يحدد مكانته في الأسرة والمجتمع. المرأة كانت تعمل أيضاً، خاصة في الاقتصاد غير الرسمي، لكن دخلها كان يُنظر إليه غالباً كـ"مساعدة" أو "دعم إضافي"، وليس كأساس. حين اندلعت الحرب، اختفت هذه المصادر كلها. الرجل الذي كان يعيل أسرته بفضل أرضه أو متجره أو راتبه، وجد نفسه فجأة بلا عمل، بلا دخل، بلا أمل في العودة إلى ما كان عليه. وفي بلد اللجوء، حيث لا يعترف أحد بمؤهلاته، وحيث لا يجد عملاً إلا نادراً، وحيث يكون العمل المتاح غالباً في قطاعات دنيا لا تليق بـ"رجولته" في نظره، يجد الرجل نفسه عاطلاً عن العمل، أو عاملاً في وظيفة لا تليق بمكانته السابقة. هذا السقوط ليس مجرد فقدان مادي، بل هو فقدان للكرامة التي كان يستمدها من كونه "رجل البيت".
المرأة في هذه الأثناء، تضطر إلى العمل في قطاعات كانت تعتبرها هي نفسها "متواضعة" في السودان: العمل المنزلي، أو البيع في الشارع، أو أي عمل هامشي يمكنها إيجاده. وهي تخرج للعمل لأن الأسرة بحاجة إلى المال، ولأنها تعرف أنها إذا لم تفعل، سيجوع أطفالها. هذا الانعكاس في الأدوار – حيث تصبح المرأة هي المعيلة والرجل هو العاطل أو شبه العاطل – يحدث صدمة مضاعفة للرجال. ففي مجتمع كان يعتبر عمل المرأة خارج البيت، وخاصة في قطاعات "خدمية"، أمراً يمس بكرامة الرجل و"شرفه"، يصبح من الصعب تقبل أن الزوجة هي التي تنفق على البيت بينما هو جالس أو يعمل عملاً لا يليق به. هذه الصدمة ليست مجرد شعور فردي، بل هي نتاج بنية ذكورية قامت على ربط قيمة الرجل بقدرته على الإعالة والحماية، وهذه القدرة قد سحبت منه بالقوة.
كثير من الرجال ينسحبون في مواجهة هذه الصدمة. يغرقون في الاكتئاب الصامت، أو يلجأون إلى الخمر والمخدرات، أو يقضون ساعات طويلة خارج البيت هرباً من مواجهة واقعهم الجديد، أو يختفون تماماً من حياة الأسرة. هذا الانسحاب ليس ضعفاً أخلاقياً، بل هو نتيجة منطقية لانهيار كل ما كان يعرف به نفسه. الرجل الذي فقد عمله وفقد مكانته وفقد احترام أسرته له، لا يجد أمامه سوى الانسحاب أو العنف. والعنف، للأسف، هو الخيار الذي يختاره البعض، ليس لأنهم "وحوش"، بل لأن العنف هو اللغة الوحيدة التي يعرفونها لإعادة تأكيد هيمنتهم حين تفشل كل الوسائل الأخرى. الرجل الذي يعجز عن إعالة أسرته يجد في الضرب أو التهديد أو التسلط وسيلة لاستعادة إحساسه بالسيطرة في لحظة يشعر فيها أنه فقد كل شيء. هذا العنف ليس طبيعياً، وهو ليس سودانياً أو غير سوداني، بل هو رد فعل ذكوري على فقدان الهيمنة، وهو ظاهرة معروفة في كل سياقات اللجوء والبطالة والفقر المدقع.
في الجانب الآخر، هناك من يحاول التأقلم بطرق مختلفة. بعض الرجال يقررون الاعتراف بواقعهم الجديد، ويتقبلون أن الزوجة تعمل بينما هم يعتنون بالأطفال أو يبحثون عن أي عمل، مهما كان بسيطاً. هؤلاء يعيشون صراعاً داخلياً مريراً، لكنهم يختارون البقاء في الأسرة بدلاً من الانسحاب. هؤلاء هم الحلفاء المحتملون في أي نضال مشترك، لأنهم عاشوا بنفسهم انهيار الذكورة التقليدية وباتوا أكثر استعداداً لفهم أن تحرر المرأة من الاستغلال ليس تهديداً لهم، بل هو شرط لتحررهم هم أيضاً من ذكورة وهمية لا تصمد خارج السياق الذي ولدت فيه. لكن هؤلاء هم القلة، لأن الظروف لا تشجع على مثل هذا الوعي، بل تدفع نحو المزيد من التصلب والانسحاب والعنف.
الرجال في رحلة اللجوء ليسوا ضحايا الحرب فقط، بل هم أيضاً أدوات في آلة الاستغلال الرأسمالي. ففي بعض دول اللجوء، يُجند الرجال في أعمال شاقة في قطاعات البناء أو الزراعة أو النقل، وهي أعمال تستنزف أجسادهم وتدفع أجوراً زهيدة، ولا توفر أي حماية. في ليبيا، يُحتجز الرجال السودانيون في مراكز اعتقال مروعة، ويُستخدمون كعمالة سخرة، أو يُبتزون للحصول على أموال من عائلاتهم. في مصر، قد يعملون في نقل البضائع أو في ورش البناء أو في أي عمل لا يتطلب أوراقاً. وفي كل هذه الأعمال، يواجهون تمييزاً عنصرياً مضاعفاً، لأنهم سود، ولأنهم سودانيون، ولأنهم لاجئون. جسد الرجل السوداني في هذه الأسواق هو سلعة رخيصة، مثل جسد المرأة، لكن استغلاله يأخذ أشكالاً مختلفة، لأنه جسد يُستخدم في أعمال عنيفة وشاقة تستهلكه بسرعة.
غياب الرجال عن سرديات اللجوء – سواء في تقارير المنظمات أو في الخطاب الإعلامي – ليس صدفة. فالخطاب الإنساني يركز على "الفئات الأكثر ضعفاً" وهي النساء والأطفال، وهذا صحيح، لكنه يخلق انطباعاً بأن الرجال إما أشرار أو ضحايا ثانويون لا يستحقون الاهتمام. هذا الإغفال له وظيفة أيديولوجية أيضاً: فهو يُبقي الرجال في الظل، ولا يسمح بفهم دورهم في إعادة إنتاج الأبوية في سياقات جديدة، ولا يسمح ببناء تحالفات حقيقية بين النساء والرجال في النضال المشترك ضد الرأسمالية. فالتحليل المادي لا يمكنه أن يتجاهل الرجال، لأن العلاقات الاجتماعية لا تتشكل من جنس واحد، ولأن فهم موقع الرجال في هذه المنظومة هو شرط لفهم موقع النساء أيضاً.
إعادة تشكيل الذكورة في سياق اللجوء ليست عملية تلقائية، بل هي ساحة صراع. بعض الرجال يتشبثون بصورة الذكورة التقليدية حتى في أقسى الظروف، ويصرون على أن تكون المرأة تابعة وأن تكون كلمتهم هي العليا، حتى لو كانوا عاطلين وهي المُعيلة. وهؤلاء هم المصدر الأساسي للعنف الأسري والتفكك. وآخرون يبدأون في إعادة تعريف أنفسهم ببطء، ويتقبلون فكرة أن الرجولة ليست في الإعالة فقط، بل في المشاركة والرعاية والمسؤولية المشتركة. لكن هذا التحول لا يحدث في فراغ، بل يحتاج إلى ظروف مواتية، وإلى وعي نضالي، وإلى نماذج بديلة. وهذه الظروف نادرة في سياق اللجوء، حيث الجميع منهكون ومخيفون ومنشغلون بالبقاء. لذلك، تظل الذكورة المهشمة في اللجوء أزمة مفتوحة، لا تحل إلا بتغيير البنى التي تنتجها، أي بتغيير نظام العمل القاسي، وإعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات، وتفكيك الأبوية كأيديولوجيا وكممارسة يومية.
كما كتب فريدريك إنجلز في "أصل العائلة": "أول شرط لتحرر المرأة هو عودة النساء بأسرهن إلى العمل الصناعي العام." يمكننا أن نضيف: أول شرط لتحرر الرجال هو تحررهم هم أيضاً من أسطورة الذكورة التي تجعل منهم عبيداً لأدوار لا يمكنهم الوفاء بها في ظروف الفقر واللجوء. الرجل الذي يفقد عمله ومكانته لا يحتاج إلى استعادة هيمنته على المرأة، بل يحتاج إلى استعادة كرامته كإنسان، وهذا لا يحدث بإذلال الآخرين، بل بتغيير الظروف التي جعلته عاجزاً. والنضال المشترك ضد الرأسمالية هو الطريق الوحيد لتحرير النساء والرجال معاً من أغلال الطبقة والجندر والعرق التي تضعهم في خنادق متقابلة بينما العدو الحقيقي واحد.
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|