|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

محفوظ بجاوي
!--a>
2026 / 6 / 27
لقد كثرت في الآونة الأخيرة أصوات لا ترى في المرأة إلا موضوعاً للوصاية، أو كائناً ناقصاً يحتاج دائماً إلى من يفكر نيابة عنه ويقرر مصيره ويحدد له حدود وجوده. وكثرت كذلك خطابات الكراهية والتنمر والتحقير التي تستهدف المرأة الجزائرية، وتشكك في قدراتها وتختزلها في أدوار ضيقة، وتتعامل معها وكأنها عبء على المجتمع لا أحد أعمدته الأساسية.
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر ولا الأزمات الاقتصادية، بل انتشار ثقافة تحتقر المرأة وتبرر إقصاءها وتُلبس التمييز لباس الفضيلة. فالمجتمع الذي يربي أبناءه على احتقار المرأة، إنما يربيهم على احتقار أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم، ويؤسس لأجيال تعيش الصراع بدل الشراكة، والكراهية بدل الرحمة.
المرأة ليست نصف المجتمع كما يُقال؛ فهي التي تلد النصف الآخر وتربيه، وتصنع وجدانه، وتغرس فيه القيم والمعرفة. هي الأم التي تحمل الحياة في رحمها، والمعلمة التي تبني العقول، والطبيبة التي تخفف الألم، والباحثة التي تفتح آفاق العلم، والعاملة التي تساهم في الاقتصاد، والمبدعة التي تثري الثقافة، والمناضلة التي تدافع عن الحرية والكرامة.
كيف يمكن أن تكون المرأة ناقصة وهي التي أثبت التاريخ أنها كانت دائماً حاضرة في لحظات البناء الكبرى؟ وكيف يُقال إنها ضعيفة وهي التي تتحمل من الأعباء والآلام والمسؤوليات ما لا يتحمله كثيرون؟ وكيف يُنتقص من عقلها وهي أول مدرسة يدخلها الإنسان، ومنها يتعلم أولى كلمات الحب واللغة والأخلاق؟
إن المرأة ليست تابعاً للرجل ولا خصماً له، بل شريكة له في بناء الأسرة والمجتمع والحضارة. العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة صراع أو هيمنة، بل علاقة تكامل واحترام متبادل، لأن المجتمع الذي يكسر أحد جناحيه لن يستطيع أن يحلق.
ومن المؤسف أن بعض الأصوات المتشددة في مجتمعنا الجزائري ما زالت تصر على تقديم المرأة باعتبارها مصدر فتنة أو سبباً لكل خلل وتتعامل مع حريتها ونجاحها وتعليمها وكأنها تهديد. والحقيقة أن المرأة المتعلمة، الواعية، الحرة، ليست خطراً على المجتمع؛ بل هي أحد شروط تقدمه وازدهاره.
إن تاريخ الجزائر نفسه يشهد أن المرأة لم تكن يوماً هامشاً. فقد كانت حاضرة في المقاومة والثورة والتحرير والتعليم والعمل والإبداع. دفعت الثمن غالياً من أجل الوطن، وقدمت التضحيات جنباً إلى جنب مع الرجل، ولم تطلب امتيازاً على أحد، بل طالبت فقط بحقها في الاحترام والاعتراف بإنسانيتها الكاملة.
إن كرامة المرأة ليست قضية نسوية فحسب، بل قضية حضارية وأخلاقية وإنسانية. فكل مجتمع يكرم نساءه يكرم نفسه، وكل مجتمع يحتقر المرأة إنما يحكم على نفسه بالتخلف والانغلاق.
ولذلك، فإن مواجهة خطاب الكراهية ضد المرأة ليست دفاعاً عن فئة ضد فئة، ولا انحيازاً لجنس ضد آخر، بل هي دفاع عن قيم العدالة والرحمة والاحترام التي يقوم عليها أي مجتمع سليم.
فالمرأة ليست جسداً يُختزل في المظهر، ولا عورة تُحاصر بالشك والوصاية، ولا كائناً ناقصاً ينتظر من يمنحه قيمته. إنها إنسان كامل الكرامة، حر الإرادة، قادر على العطاء والإبداع وصناعة المستقبل.
وإذا أردت أن تعرف درجة تحضر أمة ما، فلا تنظر إلى أبراجها ولا إلى شعاراتها، بل انظر إلى مكانة المرأة فيها: هل تُحترم؟ هل تُصان كرامتها؟ هل يُفسح لها المجال لتتعلم وتبدع وتشارك في صنع القرار؟
هناك ستجد الجواب الحقيقي.
فالمرأة ليست نصف الحياة… بل هي الحياة حين تُنجب، والحياة حين تُربي، والحياة حين تُحب، والحياة حين تُعلم، والحياة حين تمنح المجتمع روحه الإنسانية.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|