13. العنصرية والجندر والطبقة



عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 6 / 29

تواجه المرأة السودانية في بلدان اللجوء ثلاثة أنظمة تمييز تعمل في آن واحد، ولا تظهر لها كمفاهيم نظرية، بل كحقائق يومية تحدد أجرها، وسكنها، وعملها، وحتى نظرات المارة إليها. التمييز الطبقي المرتبط بفقرها المدقع، والتمييز الجندري المرتبط بكونها أنثى في مجتمع أبوي، والتمييز العنصري المرتبط بلونها الأسود وأصلها الأفريقي، ليست طبقات منفصلة يمكن معالجة كل منها وحدها. إنها متشابكة بحيث لا يمكن فصل واحدة عن الأخرى، وهذا التشابك ليس عرضياً، بل هو جوهر الآلية التي تبقيها في موقع الهشاشة الأقصى، حيث يصبح استغلالها ممكناً بأقل تكلفة وأعلى ربح.

في مصر، يحدد اللون قيمة العمل بدقة نافذة. السودانية ذات الملامح الأفريقية تتقاضى أجراً أقل من السودانية الأقرب إلى الهوية العربية، وكلتاهما تتقاضيان أقل من العاملة المصرية. هذه التراتبية ليست انعكاساً لتحيزات فردية، بل هي بنية سوق العمل الفعلية. صاحب العمل لا يحتاج إلى الكراهية، بل يكفي أن يتبع المنطق الذي يخبره أن العمالة السوداء ستقبل بأقل أجر ولن تطالب بحقوقها. وهكذا تعيد السوق إنتاج العنصرية دون حاجة إلى مبررات، لأن الربح هو المبرر الوحيد. المرأة التي تنظف بيوت المصريين اثنتي عشرة ساعة لا تُحرم من الحد الأدنى للأجور بسبب موقف شخصي، بل لأن شروط السوق تسمح بذلك، وهذه الشروط هي نتاج بنية رأسمالية تحتاج إلى تراتبية لتبقي الأجور منخفضة والعمالة منقسمة.

في أوروبا، تظهر المسألة بشكل أكثر تهذيباً لكنها لا تختلف في جوهرها. استقبال اللاجئات الأوكرانيات عام 2022 ببرامج إيواء استثنائية وتصاريح عمل فورية، بينما تظل الأفريقيات تنتظر سنوات في مراكز بعيدة، لم يكن مجرد سياسة ظرفية، بل كشفاً صريحاً عن التراتبية العنصرية المبنية في صميم نظام اللجوء الأوروبي. أوكرانيا بيضاء ومسيحية وقريبة، فاستحقت الرحمة السريعة. السودان أسود ومسلم وبعيد، فاستحق البيروقراطيا المطولة والمخيمات النائية. هذه التراتبية ليست طارئة، بل هي التعبير عن البنية التي يقوم عليها النظام العالمي، حيث تُوزع الكرامة والفرص وفقاً للون والبعد والدين، والرأسمالية الأوروبية تستفيد من هذا التوزيع لأنها تحصل على عمالة رخيصة مع الحفاظ على شعاراتها الإنسانية.

الإسلاموفوبيا التي تواجهها المحجبات السودانيات في أوروبا ليست مجرد عداء ديني، بل هي أداة اقتصادية دقيقة، فالمرأة التي ترتدي الحجاب تجد أبواباً مغلقة في سوق العمل الرسمي، وسوق السكن، وشبكات التواصل المهني. هذا الإغلاق ليس نتيجة "خوف من الإسلام"، بل هو آلية لإبعادها عن الوظائف المرئية ودفعها إلى القطاعات غير الرسمية حيث يمكن استغلالها دون رقابة. الدين هنا يُلاحَق لأنه يشكل عائقاً أمام الاستيعاب في المواقع التي يراها الجمهور، فيُدفع صاحبه إلى حيث لا يراه أحد، وحيث يمكن خفض أجره إلى الحضيض. الرأسمالية لا تحتاج إلى كره الإسلام، بل تحتاج إلى أي أداة تسمح بتقسيم العمالة وتبرير دفع أجور متفاوتة.

داخل مجتمع اللاجئين نفسه، تعيد الطبقة إنتاج نفسها. المرأة التي كانت معلمة في الخرطوم تحمل معها إلى المنفى رأس مال ثقافي واجتماعي يختلف تماماً عن المرأة التي كانت فلاحة في دارفور. الأولى قد تجد فرصة في قطاع التعليم أو الصحة، والثانية لا تجد سوى العمل المنزلي أو الشارع. "اللاجئ" ليس هوية واحدة، بل هو وضع قانوني يتقاطع مع تاريخ طبقي سابق يستمر في تحديد المسار حتى بعد العبور. الطبقة لا تموت مع العبور، بل تُعاد إنتاجها بآليات جديدة في البلد المضيف، والرأسمالية تستفيد من هذا الانقسام الداخلي لأن العمالة المنقسمة أسهل في السيطرة والاستغلال.

الصور النمطية عن المرأة السودانية ليست مجرد أفكار خاطئة، بل هي أدوات استغلال وظيفية. صورة "المرأة الأفريقية القوية الصبورة" تُستخدم لتبرير أجور أدنى وساعات أطول لأنها "بطبعها تتحمل". صورة "الأم المحتاجة" تُستخدم لإنتاج خطاب الشفقة الذي يقيم علاقة تبعية لا تحرراً. صورة "المسلمة المقهورة" تُستخدم لتبرير التدخل باسم تحريرها من ثقافتها. كل هذه الصور تعيد إنتاج موقع اقتصادي محدد للمرأة السودانية، وتجعل استغلالها مشروعاً في عيون المجتمع المضيف، وفي عيونها هي حين تستوعبها وتتصرف وفقها. الرأسمالية لا تنتج الصور النمطية، لكنها تستخدمها بكفاءة لأنها تخفض تكلفة الاستغلال وتجعل المقاومة أكثر صعوبة.

محاولة مقاومة هذه التراتبيات المتشابكة لا يمكن أن تكون بتفكيكها واحدة تلو الأخرى، لأنها ليست منفصلة في الواقع العملي. المرأة التي تتعرض للتمييز بسبب لونها وجنسها وطبقتها في آن واحد، لا يمكن تحريرها بتحريرها من عامل واحد فقط. العنصرية ليست خطأ يمكن تصحيحه بالتوعية، بل هي بنية اقتصادية تنتجها الرأسمالية وتستفيد منها لأنها تحتاج إلى تراتبية تبرر أجوراً متفاوتة لعمال متساوين في الجهد. لذلك، لا يمكن فصل النضال ضد العنصرية عن النضال ضد الرأسمالية، كما لا يمكن فصل تحرير المرأة عن تحرير الطبقة العاملة بأكملها. وكما كتب فرانز فانون في "معذبو الأرض": "المستعمَر الذي يتحرر داخل الاستعمار لا يكون محرراً، بل مُعاد الإنتاج بشكل أكثر تطوراً." وهذا ينطبق على المرأة السودانية التي تُمنح بعض الحقوق داخل النظام الرأسمالي العنصري، فهي تظل مستغلة، لكن بوجه أكثر تهذيباً.

النضال مستمر،،