|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 7 / 2
يتعامل الخطاب الإنساني والنسوي السائد في الغرب مع الإسلام كعقبة أمام تحرر المرأة، وكأن الدين في ذاته هو المصدر الأصلي للقهر، بينما تتعامل التيارات الإسلامية المحافظة مع الدين كحصن ضد التغريب والانحلال، وكأن التمسك بالشكليات الدينية هو شرط البقاء والكرامة. كلا الموقفين يخطئان التحليل المادي للدين، لأنهما ينظران إليه كمجموعة نصوص ثابتة يمكن تفسيرها بشكل أو بآخر، بينما هو في الواقع ميدان صراع طبقي وجندري يتشكل وفق شروط مادية متغيرة. المرأة السودانية اللاجئة لا تتعامل مع الإسلام كفكرة مجردة، بل كأداة للبقاء اليومي، وشبكة علاقات، ومرجعية تشرعن أو تحد من خياراتها، وساحة تتفاوض فيها مع قوى أبوية واستغلالية في آن واحد. فهم هذا الموقع المزدوج للدين هو شرط أي تحليل جاد لمقاومتها، وأي اختزال للإسلام إلى قمع أو تحرر هو هروب من المادية الجدلية إلى الأيديولوجيا.
في المخيمات وأحياء اللجوء الفقيرة، يكون المسجد في كثير من الأحيان المؤسسة الاجتماعية الوحيدة القائمة بجانب المنظمات الإنسانية. النساء يلتقين فيه، ليس فقط للصلاة، بل لتبادل الأخبار، وتنسيق المساعدات، وتنظيم حلقات الذكر التي تتحول إلى شبكات دعم غير رسمية. الزكاة والصدقة، كآليات دينية للتبرع، تصبح مصادر دخل إضافية للنساء الأكثر فقراً، سواء عبر توزيع المنظمات الخيرية الإسلامية أو عبر التبرعات الفردية من أفراد الجالية. هذه الشبكات الدينية لا تعوض غياب الدولة، لكنها توفر حداً أدنى من التضامن المادي والمعنوي في غياب أي بنية رعائية أخرى. المرأة التي تجد في المسجد من يمد لها يد العون عند مرض طفلها أو أزمة إيجارها، لا تستخدم الدين كغطاء أيديولوجي، بل كآلة مادية للبقاء، وكما قال ماركس في نقده لفويرباخ: "الدين هو صوت الكائن المقهور، وقلب العالم القاسي."
في مواجهة تمييز دول اللجوء، يتحول الإسلام أحياناً إلى هوية مقاومة. المرأة المحجبة في أوروبا أو أمريكا التي تتعرض للتحرش والإقصاء الوظيفي بسبب حجابها، تجد في التمسك به ليس فقط فعلاً عبادة، بل فعلاً سياسياً يرفض الاندماج في مجتمع يطالبها بالتخلي عن جزء من هويتها كي تقبل باستغلالها. هذا التمسك لا ينفي أن الحجاب نفسه قد يكون أداة قمع في سياقات أخرى، لكنه يثبت أن معنى الدين يتحدد بالصراع الذي يُستدعى فيه، وليس بنص مقدس ثابت. النساء السودانيات في المهاجر الأوروبية اللواتي يخترن الحجاب أو يُعدن ارتداءه في المنفى، غالباً ما يقلن إنه وسيلة للحفاظ على الهوية السودانية والإسلامية في مواجهة ثقافة غربية تغمرهن وتطلب منهن المحو. هذا ليس "تطرفاً دينياً"، بل استجابة عقلانية لضغط ثقافي عنصري.
في الجانب الآخر، يُستخدم الدين لتبرير استغلال النساء داخل مجتمعات اللجوء ذاتها. الزواج المبكر الذي تدفع إليه الأسر الفقيرة غالباً ما يُغطى بغطاء ديني، وكأن تزويج الفتاة في سن الخامسة عشرة هو "سنة" أو "حماية" من الفتنة، بينما هو في حقيقته نقل لعبء إعالة إلى طرف آخر وتقليل للأفواه الجائعة. القيود على حركة المرأة، ومنعها من العمل في بعض القطاعات، وإخضاعها لولاية الرجل، كلها تُشرعن باسم الدين، بينما وظيفتها الحقيقية هي إبقاء المرأة في موقع الهشاشة الذي يسمح باستغلالها اقتصادياً وجنسياً. التيارات الإسلامية المحافظة في المخيمات وفي بعض منظمات الإغاثة الخيرية، تعيد إنتاج الأبوية ذاتها التي هربت منها النساء من السودان، وتقدمها كشرط للبقاء في المنفى، وكأن الخضوع للرجل هو ثمن الحماية في غياب الدولة. هذه الآليات ليست جوهر الإسلام، بل هي استغلال للدين من قبل قوى طبقية أبوية تستفيد من الحفاظ على تبعية المرأة.
الخطاب النسوي العلماني الذي يرفض الدين تماماً باعتباره مصدر القهر يرتكب خطأ مماثلاً، لأنه يتجاهل أن النساء أنفسهن هن من يملأن المساجد، وهن من ينظمن حلقات الدعوة، وهن من يستخدمن الدين لتبرير مطالبهن بالعدالة أحياناً. في السودان، كانت النساء في ثورة 2019 يرفعن شعارات دينية وسياسية معاً، ويصلين في الاعتصامات، ويستدعين خطاباً إسلامياً لتبرير مطالبهن بالحرية والكرامة. هذا التداخل بين الديني والسياسي ليس تناقضاً، بل هو تعبير عن أن الإسلام في السياق السوداني هو لغة مشتركة يمكن توظيفها لأغراض متضادة: تارة لقمع المرأة، وتارة لتحريرها من الطغيان. تجاهل هذا التداخل هو تجاهل للواقع المادي الذي تعيشه النساء، وهو وعظ أكثر منه تحليل.
في دول الخليج وأوروبا، تواجه المرأة المسلمة السودانية تحدياً مزدوجاً: من المجتمع المضيف الذي ينظر إليها على أنها "متخلفة" بسبب دينها، ومن مجتمعها الذي ينظر إليها أحياناً على أنها "مفرطة في التحرر" بسبب تأثرها بثقافة الغرب. هذا الموقع الوسيط ينتج وعياً مزدوجاً، حيث تضطر المرأة إلى التفاوض مع هويتين وثقافتين وقوانين مختلفة في آن واحد. هذه المفاوضة ليست ضعفاً، بل هي شكل من أشكال المقاومة اليومية التي لا تظهر في خطابات الثورات الكبرى، لكنها تشكل الأساس الذي تقوم عليه أي مقاومة منظمة. كما كتب غرامشي: "الهيمنة لا تُمارس بالقوة فقط، بل بالتوافق والقيادة الفكرية والأخلاقية." والمرأة التي تتفاوض على موقعها داخل الإسلام وخارجه تفعل ذلك ضمن صراع الهيمنة هذا، وتستخدم كل الموارد المتاحة، بما فيها الدين، لتوسيع هامش حريتها.
المقاومة النسوية الإسلامية ليست تناقضاً في المصطلحات، بل هي واقع عملي في كل مكان توجد فيه نساء مسلمات يعانين من القهر ويستخدمن أدواتهن الثقافية والدينية لمواجهته. في السودان، وفي الشتات، ثمة نساء يقرأن النصوص الدينية قراءة نقدية، ويستعدن التراث الإسلامي لاستدعاء نماذج نسائية قوية، وينظمن حلقات درس نسوية داخل المساجد، ويطالبن بتفسير قرآن يتساوى فيه الرجال والنساء. هذه الحركات لا تظهر في عناوين الصحف الغربية، لكنها تشكل تياراً حقيقياً في مجتمعات اللاجئات، وتقدم بديلاً عن كل من الخطاب الأصولي الذكوري والخطاب العلماني الذي يرى في الحجاب رمزاً للقهر فقط. هذه الحركات هي دليل على أن الدين ليس كتلة واحدة، بل هو ميدان صراع، والنساء يدخلن هذا الميدان بأسلحتهن الخاصة.
ما يجمع كل هذه المظاهر هو أن الدين في يد المرأة اللاجئة هو سلاح ذو حدين. يمكن أن يقيها من الانهيار النفسي، ويمدها بشبكات البقاء، ويمنحها هوية في مواجهة الغربة، ويشرعن مقاومتها للظلم. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يستخدم لتقييد حركتها، وتبرير استغلالها، وإخضاعها لسلطة أبوية جديدة في المنفى. الفارق بين الاستخدامين لا يحدده النص الديني، بل تحالفات القوى والمواقع الطبقية للمرأة داخله. المرأة الغنية المتعلمة قد تستخدم الدين كزينة ثقافية، والمرأة الفقيرة الأمية قد تستخدمه كشبكة أمان، والمثقفة الناشطة قد تستخدمه كلغة سياسية. كل هذه الاستخدامات مشروعة ضمن منطقها، ولا يمكن الحكم عليها من خارج شروطها المادية. وكما كتب فريدريك إنجلز في "أنتي دورينغ": "كل دين ليس سوى الانعكاس الوهمي في أذهان البشر لتلك القوى الخارجية التي تتحكم في حياتهم اليومية، انعكاس تتخذ فيه القوى الأرضية شكل قوى خارقة للطبيعة."
هذا الانعكاس الوهمي ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو تعبير حي عن قوى اجتماعية وطبيعية تعصف بحياة البشر وتسيطر عليها. والنساء السودانيات في اللجوء يعشن هذا التناقض يومياً: الدين يعكس خضوعهن لقوى لا يسيطرن عليها، لكنه في الوقت نفسه يصبح، بأيديهن، أداة للتفاوض مع تلك القوى ذاتها، ومجالاً لإعادة تعريف مكانتهن ضمنها.
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|