حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق إلى عدالة المواطنة – مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 7 / 3

ليست حقوق المرأة منحة اجتماعية، و لا تفضلاً من الدولة أو العائلة أو المؤسسة. هي حقوق أصلية، تبدأ من التعليم و الصحة و العمل و حرية الاختيار، و تنتهي عند سؤال أعمق: هل تُعامل المرأة بوصفها مواطنة كاملة، أم بوصفها كائناً يحتاج دائماً إلى وصاية؟
في العراق، لا تكمن المشكلة غالباً في غياب النصوص فقط، بل في ضعف انتقالها إلى الحياة اليومية. فالدستور العراقي ينص على المساواة أمام القانون و تكافؤ الفرص و حرية الفكر و الضمير، لكن الواقع الاجتماعي و الإداري كثيراً ما ينتج مسافة واسعة بين النص و التطبيق. لذلك تبدو حقوق المرأة أحياناً كأنها موجودة على الورق، لكنها تتعثر عند باب المدرسة، و المستشفى، و دائرة الدولة، و سوق العمل.
تظهر هذه الفجوة بوضوح في التعليم. تشير اليونيسف إلى أن نحو 3.2 مليون طفل عراقي في سن الدراسة هم خارج المدرسة، و أن الفتيات أقل تمثيلاً في المرحلتين الابتدائية و الثانوية، خصوصاً في المناطق المتأثرة بالنزاع و النزوح. هذا الرقم لا يعني أزمة تعليم فقط، بل يعني أن جزءاً من مستقبل النساء يبدأ بالتقلص مبكراً. فالفتاة التي تُبعد عن المدرسة، أو تُدفع إلى تركها، لا تفقد مقعداً دراسياً فقط، بل تفقد جزءاً من قدرتها اللاحقة على العمل، و العلاج، و الدفاع عن نفسها.
و الأخطر أن المدرسة، التي يفترض أن تكون مساحة معرفة و أمان، قد تتحول أحياناً إلى أول مؤسسة تمارس الضبط الرمزي على جسد الطفلة. إلزام الطالبات و هن دون سن الرشد بزي ديني محدد لا يندرج في إطار حرية الاختيار، بل يدخل في مساحة الإكراه المبكر. فالمشكلة ليست في الزي بحد ذاته، بل في تحويل جسد الطفلة إلى موضوع للضبط الاجتماعي قبل أن تمتلك القدرة القانونية و النفسية على اتخاذ قرار حر. فالطفلة في هذا العمر تحتاج إلى بيئة تعليمية مطمئنة، لا إلى رسالة ضمنية تقول لها إن حضورها في المجال العام مشروط بالخوف و الامتثال. المشكلة هنا ليست في اختيار شخصي ناضج، بل في سلطة تُمارس على طفلة لم تكتمل قدرتها على الاختيار.
و حين ننتقل إلى الصحة، تصبح الفجوة أكثر قسوة. بيانات المرصد العالمي للسرطان لعام 2022 تقدر أن العراق سجل 21,558 حالة سرطان جديدة بين النساء، منها 8,626 حالة سرطان ثدي، أي نحو 40% من سرطانات النساء، مع 11,133 وفاة بالسرطان بين النساء. هذه ليست أرقاماً طبية باردة؛ إنها دليل على أن حق العلاج لا يبدأ عند الدواء، بل عند الفحص المبكر، و كلفة الوصول، و وجود مؤسسة صحية تستقبل المرأة بلا تأخير أو إهمال أو خجل اجتماعي.
كما أن الحق في العمل يكشف وجهاً آخر من المشكلة. تشير بوابة بيانات النوع الاجتماعي في البنك الدولي إلى أن مشاركة النساء في قوة العمل في العراق بلغت 10.9% مقابل 72.6% للرجال في 2025، و أن امتلاك الحسابات المالية عام 2024 كان 18.8% للنساء مقابل 40.8% للرجال. هذه الأرقام تقول ببساطة إن المرأة قد تحمل شهادة، لكنها لا تدخل الاقتصاد بالفرصة نفسها، و قد تكون مواطنة قانونياً، لكنها أقل قدرة على امتلاك أدوات الاستقلال المالي.
حتى التمثيل السياسي لا يكفي وحده. فوجود النساء في البرلمان بنسبة 28.9% عام 2024 لا يعني بالضرورة أن حياة النساء اليومية أصبحت أكثر عدلاً. التمثيل مهم، لكنه لا يتحول إلى إصلاح حقيقي ما لم ينعكس في قوانين حماية، و خدمات صحية، و بيئة تعليمية آمنة، و فرص عمل، و آليات شكوى فعالة.
و من المفارقات أن المخيلة القديمة في حضارات الرافدين لم ترَ المرأة كائناً هامشياً، بل ربطتها بالخلق و الخصب و تجدد الحياة. فقد ظهرت الإلهة الأم و عشتار بوصفهما رمزين للطاقة الكونية و دورة الطبيعة، لا مجرد شخصيات أسطورية بعيدة عن حياة الإنسان. لكن هذه المكانة الرمزية القديمة لا ينبغي أن تخدعنا؛ فالمجتمع الذي مجّد الأنثى في الأسطورة قد لا ينصف المرأة في الواقع الحاضر. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس استعادة صورة المرأة كرمز مقدس، بل الاعتراف بها كمواطنة كاملة الحقوق، لها حق التعليم و العلاج و العمل و الاختيار، من دون وصاية أو انتقاص.
برأيي المتواضع فإن اختبار حقوق المرأة لا يكون في العبارات الجميلة، بل في التفاصيل اليومية التي تكشف موقعها الحقيقي داخل المجتمع: هل تستطيع الفتاة أن تكمل تعليمها؟ هل تستطيع المريضة أن تصل إلى العلاج؟ هل تستطيع العاملة أن تدخل سوق العمل من دون إذلال أو خوف؟ و هل تستطيع الطفلة أن تكبر من دون أن تُحمّل مبكراً عبء جسدها و نظرة الآخرين إليه؟ هنا فقط نفهم أن حقوق المرأة ليست امتيازاً، و لا صورة رمزية نحتفي بها في الماضي، بل مقياس حيّ لمدنية الدولة و عدالة المجتمع.