16. البيئة والمناخ واللجوء: الأزمة المركبة



عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 7 / 6

لا تنفصل الأزمة البيئية في السودان عن الأزمة السياسية، ولا يمكن فهم الحرب بمعزل عن التدهور المناخي والصراع على الموارد الطبيعية. فالتغير المناخي محرك مباشر للصراع، ومضاعف للهشاشة، وأداة في يد القوى الرأسمالية لإعادة توزيع الثروة والسكان. المرأة السودانية التي تجد نفسها لاجئة في تشاد أو مصر أو أوروبا، لم تترك أرضها فقط بسبب القنابل، بل تركتها أيضاً لأن الأرض نفسها أصبحت غير قادرة على إنتاج الغذاء، ولأن الماء أصبح نادراً، ولأن الغطاء النباتي تراجع، ولأن الماشية نفقت جوعاً وعطشاً. الحرب والمناخ وجهان لعملة واحدة، والمرأة تدفع ثمن كليهما معاً.

قبل أن تشتعل الحرب في دارفور، كان التصحر يتقدم ببطء لكن بثبات. تراجع هطول الأمطار لعقود، وتوسعت الصحراء جنوباً، وجفت الآبار التي كانت تروي القرى، وتناقصت المراعي التي كانت تعتمد عليها قبائل الرعاة. هذا التدهور البيئي كان نتيجة سياسات زراعية جائرة، واستنزاف ممنهج للموارد، وإهمال متعمد من الدولة المركزية التي فضلت استثمار عوائد الذهب والنفط على استدامة الأرض التي يعيش عليها الفلاحون والرعاة. حين ضاقت المراعي وقلت المياه، اضطر الرعاة إلى النزوح جنوباً نحو أراضي المزارعين، وتصاعدت النزاعات على الموارد الشحيحة، واستغلت النخبة الحاكمة هذه النزاعات لتأجيج الصراعات القبلية وتوظيفها لصالحها. التصحر لم يصنع الحرب، لكنه هيأ لها الأرضية، وجعل المجتمعات أكثر هشاشة، وأكثر استعداداً للانفجار عند أول شرارة سياسية.

شركات التعدين الأجنبية لعبت دوراً مباشراً في هذا المسلسل. الذهب الذي يُستخرج من جبال النوبة ودارفور، والذي تتدافع عليه شركات كندية وصينية وروسية كان سبباً رئيسياً في تهجير السكان وتدمير البيئة المحلية. التعدين العشوائي بالزئبق يلوث المياه والتربة، ويقتل الأسماك ويسمم المحاصيل، ويجعل الأرض غير صالحة للزراعة أو الرعي. وفي الوقت نفسه، تقوم الميليشيات المسلحة، التي تتلقى دعماً من أطراف الحرب، بفرض سيطرتها على مناطق التعدين وطرد السكان الأصليين بحجة "تأمين" المناجم. المرأة التي كانت تعتمد على حقلها الصغير أو ماشيتها لتأمين قوت أسرتها، تجد نفسها فجأة بلا أرض ولا ماء ولا ماشية، وكأن الأرض نفسها أصبحت عدواً. الأرض التي كانت مصدر حياة أصبحت مصدر نزوح.

النزاع على المياه يضيف بعداً إقليمياً آخر. سد النهضة الإثيوبي، الذي يتحكم في تدفق النيل الأزرق، يهدد مباشرة الأمن المائي للسودان ومصر. في السودان، يعني نقص المياه تراجعاً في الإنتاج الزراعي، وجفافاً في الأراضي الرعوية، ونزوحاً من القرى التي تعتمد على النيل للري والشرب. النساء، المسؤولات عن جلب الماء في معظم المجتمعات الريفية، يتحملن العبء الأكبر: حين تجف الآبار أو يقل منسوب النهر، تضطر المرأة إلى قطع مسافات أطول، وقضاء ساعات أطول في جمع الماء، مما يقلل من وقتها المتاح للزراعة أو الرعاية أو أي نشاط منتج آخر. هذا العبء الإضافي لا يُحصى في أي إحصاء رسمي، لكنه يستهلك طاقة المرأة ويستنزف جسدها ويحد من قدرتها على المشاركة في أي نشاط اقتصادي أو اجتماعي آخر. وحتى قبل أن تتحول إلى لاجئة، تكون المرأة قد دخلت بالفعل في دائرة الفقر البيئي.

التغير المناخي العالمي هو العامل الأكبر. السودان، الذي لا يصدر سوى جزء ضئيل من الانبعاثات الكربونية، يدفع أثماناً باهظة لارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار التي تسببت فيها الدول الصناعية الكبرى. الفيضانات المدمرة التي تجتاح السودان في السنوات الأخيرة، والتي تجرف القرى وتدمر البنية التحتية وتغرق المحاصيل، هي أحد مظاهر هذه الأزمة. والجفاف الذي يضرب مناطق أخرى، ويقتل الماشية ويجفف الآبار، هو وجه آخر للعملة نفسها. المرأة السودانية، التي تعتمد على الزراعة المعيشية ورعي الماشية في معظم الحالات، تجد نفسها عاجزة عن مواجهة هذه التقلبات المناخية. حين يغرق محصولها أو يجف بئرها، لا تملك خياراً سوى الهجرة، وتصبح الهجرة ضرورة بيئية قبل أن تكون ضرورة سياسية.

المنظمات البيئية الدولية، التي تدّعي العمل على حل أزمة المناخ، لا تتعامل مع السودان كدولة ضحية تحتاج إلى عدالة مناخية، بل كدولة فقيرة تحتاج إلى مشاريع تكيف وتخفيف. مشاريع إعادة التشجير، وحصاد المياه، وتحسين الإنتاج الزراعي، كلها مبادرات مهمة لكنها تبقى محدودة ومجزأة، ولا تعالج الجذور السياسية والاقتصادية للأزمة. فالبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، اللذان يموّلان هذه المشاريع، يتعاملان مع السودان كمنطقة لتنفيذ سياسات التكيف المناخي، وليس كدولة يحق لها المطالبة بتعويضات عن الأضرار التي تسبب بها التغير المناخي. هذه النظرة التقنية للأزمة البيئية تعزل السياسي عن الطبيعي، وتجعل الحلول في إطار إصلاحات سطحية لا تمس بنية استخراج الموارد والسياسات الزراعية الجائرة التي تسببت في المشكلة أصلاً.

ربط الأزمة البيئية باللجوء النسوي هو مفتاح الفهم المادي للمسألة. فحين يجتمع التدهور المناخي مع الحرب، تدفع النساء الثمن مضاعفاً: يفقدن مصدر رزقهن، ثم يفقدن سكنهن، ثم يفقدن أمنهن، ثم يُجبرن على ترك كل شيء والبحث عن بقاء جديد في مخيم أو مدينة غريبة. هذه السلسلة ليست صدفة، بل هي نتيجة حتمية لنظام اقتصادي وسياسي يستنزف البيئة ويستغل الموارد، ولا يبالي بمن يدفع الثمن. وكما كتب إنجلز في مقالته عن البيئة: "الطبيعة تنتقم منا على انتصاراتنا عليها، فكل انتصار نحققه هو في الحقيقة انتصار عليها، لكنه يحمل عقاباً لا مفر منه." النساء السودانيات اللواتي يدفعن ثمن هذا العقاب اليوم، عبر النزوح والعمل الجبري والاستغلال الجنسي، هن شهادات حية على أن كارثة المناخ ليست طبيعية، بل هي اجتماعية من صُنع الإنسان، وصنع الرأسمالية تحديداً.

النضال مستمر،،