|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
!--a>
2026 / 7 / 8
قدّمنا في هذه السلسلة قراءة مادية لمسار المرأة السودانية منذ ما قبل لحظة الاقتلاع القسري من موطنها، مرورًا برحلة النزوح واللجوء، وصولًا إلى المخيمات وأسواق العمل في بلدان الاستقبال، ثم إلى تشكّلها كفاعل اجتماعي وسياسي في فضاءات الشتات. لم يكن الهدف توثيق معاناة إنسانية فحسب، بل تفكيك البنية التي تنتج هذه المعاناة وتعيد إنتاجها. فما بدا في ظاهره سلسلةً من المآسي المنفصلة، كشف التحليل المادي أنه نظام مترابط تتداخل فيه الحرب، والتهجير، والرأسمالية، والبنى الأبوية، والعنصرية، في عملية واحدة لإعادة تنظيم الثروة والعمل والسلطة. ومن هذا المنطلق يمكن استخلاص ثلاث خلاصات مركزية تشكل أساس أي سياسة تحررية جادة.
أولاً: الحرب ليست انقطاعاً عن المسار الطبيعي للمجتمع، بل استمرار للرأسمالية حين تبلغ تناقضاتها مرحلة لا تستطيع فيها آليات السوق وحدها إعادة توزيع الموارد والثروة. فالاقتلاع الجماعي للسكان ليس مجرد نتيجة جانبية للعنف، وإنما وسيلة لإفراغ الأرض وإعادة تشكيل ملكيتها، وتأمين الموارد الطبيعية، وخلق فضاءات جديدة للتراكم. وفي الوقت نفسه يُنتج اللجوء جيشاً احتياطياً عالمياً من العمالة الرخيصة، عديمة الحماية، يسهل استخدامها للضغط على الأجور، وإضعاف التنظيم النقابي، وتعظيم أرباح رأس المال. في قلب هذه العملية تقف المرأة السودانية بوصفها الحلقة الأكثر تعرضاً للاستغلال، حيث تتقاطع عليها علاقات القهر الطبقي والجندري والعنصري، فتغدو قوة عمل منخفضة الكلفة، وأكثر قابلية للإخضاع داخل الاقتصاد العالمي.
ثانياً: استغلال المرأة اللاجئة لا يقتصر على سوق العمل المأجور، بل يمتد إلى مجال إعادة الإنتاج الاجتماعي الذي تعتمد عليه الرأسمالية في استمرارها اليومي. فالطبخ، والتنظيف، ورعاية الأطفال، والعناية بالمرضى وكبار السن، وإعادة إنتاج الحياة اليومية، كلها أعمال ضرورية لبقاء المجتمع، لكنها تُلقى على عاتق النساء دون أجر أو اعتراف اقتصادي. وفي السودان كانت الأسرة الممتدة تخفف نسبياً من هذه الأعباء، أما في اللجوء فتتحمل المرأة معظمها منفردة، بينما تُستنزف قدرتها الإنتاجية والرعائية في آن واحد. ثم تنتقل هذه الخبرات نفسها إلى أسواق العمل الدولية عبر سلاسل الرعاية العالمية، حيث تغادر النساء لرعاية أسر أخرى، بينما تُترك أسرهن في مواجهة آثار الغياب. وهكذا لا يقتصر نزيف السودان على موارده الطبيعية أو كوادره المهنية، بل يشمل أيضاً طاقات الرعاية وإعادة إنتاج المجتمع، وهي عملية تخفيها خطابات "التمكين" و"الإدماج" التي تتجاهل البنية الاقتصادية التي تستفيد من هذا الاستغلال المزدوج.
ثالثاً: التحرر لا يُنتج عبر إصلاح النظام القائم، وإنما عبر بناء قوة اجتماعية قادرة على مجابهته، ولا يبدأ من النخب، بل من التنظيم الذاتي للنساء أنفسهن. فالمرأة السودانية اللاجئة لم تنتظر حلولاً تأتيها من الحكومات أو المنظمات الدولية، بل طورت أشكالاً متعددة من التنظيم الذاتي، تمثلت في شبكات التكافل، وصناديق الادخار التعاونية، والمطابخ الجماعية، ومبادرات التعليم، والتوثيق الرقمي للانتهاكات، وبناء العلاقات مع النقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والحركات النسوية، والإعلام البديل، والشتات السوداني، ولجان المقاومة داخل السودان. غير أن هذه المبادرات، على أهميتها، تظل محدودة ما لم ترتبط بمشروع سياسي واجتماعي أوسع يستهدف تفكيك البنى التي تنتج الاستغلال نفسه. ولذلك فإن تحويل المقاومة اليومية إلى قوة تاريخية يقتضي ربط نضال النساء اللاجئات بالنضال الطبقي للعمال والكادحين في بلدان اللجوء، وبنضال الجماهير السودانية ضد الحرب والاستبداد، وبالحركات التحررية المناهضة للرأسمالية والعنصرية على المستوى العالمي.
تثبت هذه القراءة أن قضية المرأة السودانية في اللجوء ليست قضية إنسانية معزولة، ولا ملفاً خاصاً بالنساء وحدهن، بل هي مدخل لفهم طبيعة النظام العالمي الذي يحول الحروب إلى فرص للتراكم، ويحول البشر إلى قوة عمل فائضة، ويعيد إنتاج علاقات الهيمنة عبر الحدود. ومن ثم فإن أي مشروع تحرري لا يضع النساء في قلب عملية التنظيم والتغيير، ولا ينطلق من خبراتهن اليومية في المقاومة والبقاء، سيظل عاجزاً عن تفكيك البنية التي ينتقدها.
ما قدمته هذه السلسلة ليس مجرد وعي نظري، بل أداة في يد من تقرر استخدامها. فالمعرفة ليست محايدة، والتحليل ليس ترفاً فكرياً. الماركسية لا تكتفي بتفسير العالم، بل تنطلق من تحليل تناقضاته للكشف عن إمكانات تغييره. والمرأة السودانية، التي حملت الوطن في ذاكرتها، وأعادت بناء أشكال الحياة وسط الخراب، ليست موضوعاً للشفقة، بل فاعلاً تاريخياً قادراً على المساهمة في صنع مستقبل مختلف. وكما قال كارل ماركس في النظام الداخلي للرابطة الدولية للعمال: «تحرير الطبقة العاملة يجب أن يكون عمل الطبقة العاملة نفسها». هذا هو جوهر السلسلة: لا خلاص يأتي من فوق، ولا تحرر يُمنح هبةً من منظمات أو حكومات. التحرر فعل ذاتي، يبدأ بالحركة، ويتعاظم بالتنظيم، ولا يكتمل إلا حين تصبح النساء السودانيات في اللجوء، إلى جانب الطبقات الكادحة في السودان وبلدان اللجوء، فاعلات تاريخيات يحددن شروط نضالهن بأيديهن، ويكسرن القيد بأيديهن وبأيدي الطبقات المقهورة التي تدرك أن تحرر المرأة السودانية في اللجوء ليس قضية منفصلة، بل حلقة في نضالها هي أيضاً ضد النظام الذي يستغلها. القيد ليس قدراً، بل علاقة اجتماعية يمكن تغييرها، وتغييرها يبدأ بمعرفة أنها قيد، وينتهي بكسرها بجهود الجميع، كلٌّ من موقعه، لكن السواد الأعظم من الجهد والتضحيات يظل على عاتق من يتحملن وطأة الاستغلال يومياً.
النضال مستمر،،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|