حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البداوة و منطق الحضارة - مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 7 / 8

حرية المرأة في العالم العربي ليست قضية قانونية فقط، وليست أيضاً شعاراً اجتماعياً عاماً يمكن الاكتفاء بترديده في المناسبات. إنها، في جوهرها، اختبار لطريقة نظر المجتمع إلى المرأة: هل يراها فرداً كامل الأهلية، أم يراها امتداداً للعائلة و الجماعة و السمعة؟ لذلك فإن النقاش الهادئ حول حرية المرأة يحتاج إلى الابتعاد عن لغة الاتهام، والاقتراب أكثر من فهم البنية الاجتماعية التي ما زالت تؤثر في حياة النساء، حتى في المجتمعات التي شهدت تعليماً واسعاً و حضوراً نسائياً واضحاً في العمل و المؤسسات العامة.
في هذا السياق، يمكن القول إن المجتمعات العربية ما زالت تعيش توتراً بين منطقين. الأول تقليدي، يمكن وصفه بقيم البداوة في صورتها الاجتماعية، لا بمعنى المكان أو الصحراء، بل بمعنى تغليب الجماعة على الفرد، و السمعة على الاختيار، و الطاعة على الحوار. أما الثاني فهو منطق الحضارة، حيث تُعامل المرأة بوصفها إنساناً كامل الأهلية، له عقل و إرادة و حق في القرار. المشكلة أن بعض المجتمعات قد تبدو حديثة في مظهرها، لكنها داخل البيت و العائلة ما زالت تتعامل مع المرأة كأنها مسؤولة عن سمعة الجميع قبل أن تكون مسؤولة عن حياتها.
في العراق، تبدو الصورة مركبة. فالمرأة حاضرة في التعليم و العمل و المهن و المجال العام، لكن هذا الحضور لا يعني أن حريتها اليومية أصبحت مضمونة. تشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 27.9% من النساء العراقيات بعمر 20-24 سنة كنّ قد تزوجن قبل سن الثامنة عشرة، كما تقضي النساء و الفتيات بعمر عشر سنوات فأكثر 24.1% من وقتهن في أعمال الرعاية و العمل المنزلي غير المدفوع، مقابل 4.2% فقط للرجال. هذه الأرقام تقول إن جزءاً مهماً من حياة المرأة ما زال يتشكل مبكراً داخل العائلة، قبل أن تمتلك الفتاة فرصتها الكاملة في التعليم و الاختيار و بناء المستقبل.
في مصر، لا يمكن إنكار الحضور الواسع للمرأة في التعليم و الوظائف و المهن و الحياة العامة. لكن المشكلة لا تظهر دائماً في الخروج إلى العمل، بل فيما يحدث بعده. فالمرأة قد تعمل خارج البيت، ثم تعود لتتحمل النصيب الأكبر من مسؤوليات البيت و الرعاية. و بحسب بيانات الأمم المتحدة للمرأة، تقضي النساء و الفتيات بعمر عشر سنوات فأكثر في مصر 22.4% من وقتهن في العمل المنزلي و الرعاية غير المدفوعة، مقابل 2.4% فقط للرجال. كما أبلغت 15.1% من النساء بعمر 15-49 سنة عن تعرضهن لعنف جسدي أو جنسي من شريك حالي أو سابق خلال الاثني عشر شهراً السابقة للمسح. لذلك لا يمكن فصل حرية المرأة عن الأمان داخل البيت و العلاقة و الشارع.
أما تونس، فهي تقدم تجربة عربية مهمة في مجال حقوق المرأة، خصوصاً من ناحية القانون و إصلاحات الأسرة. ومع ذلك، فإن القانون لا يغير كل شيء وحده. تشير بيانات الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء و الفتيات بعمر 15 سنة فأكثر في تونس يقضين 21.9% من وقتهن في أعمال الرعاية و العمل المنزلي غير المدفوع، مقابل 2.7% فقط للرجال، كما أبلغت 10.1% من النساء بعمر 15-49 سنة عن تعرضهن لعنف جسدي من شريك حالي أو سابق. وهذا يعني أن التجربة التونسية قطعت شوطاً مهماً، لكنها مثل غيرها تحتاج إلى مراجعة أعمق لتوزيع الأدوار داخل البيت.
وتقدم السعودية مثالاً مختلفاً لتحول سريع في السنوات الأخيرة، خصوصاً في التعليم و العمل و حضور المرأة في المجال العام. فبحسب بوابة بيانات النوع الاجتماعي التابعة للبنك الدولي، بلغت مشاركة النساء في قوة العمل في السعودية 33.6% عام 2025، مقابل 83.3% للرجال. هذا التحول مهم لأنه يربط حرية المرأة بالاستقلال الاقتصادي، لا بمجرد الحديث العام عن الحقوق. ومع ذلك، فإن دخول سوق العمل لا يكفي وحده؛ إذ تحتاج المرأة إلى بيئة تجعل العمل و الحركة و بناء المستقبل أموراً طبيعية، لا استثناءات تحتاج إلى تبرير دائم.
القاسم المشترك بين العراق و مصر و تونس و السعودية أن حرية المرأة لا تتحدد بما يسمح به القانون فقط، بل بما تستطيع المرأة فعله فعلاً في حياتها اليومية. فقد يكون القانون أكثر تقدماً من العرف، وقد تكون المدرسة أوسع من البيت، وقد يكون سوق العمل أسرع تغيراً من نظرة المجتمع. ولهذا أشار تقرير حديث عن البنك الدولي إلى أن هناك فجوة عالمية بين قوانين المساواة و قدرة المؤسسات على تطبيقها، وأن السلامة و رعاية الأطفال ما زالتا من أضعف الجوانب في دعم مشاركة المرأة اقتصادياً و اجتماعياً.
برأيي المتواضع فإن حرية المرأة لا تعني إضعاف الأسرة ولا تجاوز القيم الاجتماعية، بل تعني أن تصبح هذه القيم أكثر عدلاً و أقل خوفاً. الأسرة المتوازنة لا تقوم على مراقبة المرأة، بل على الثقة و الشراكة. والمجتمع الأكثر نضجاً لا يقيس كرامته بمدى تقييد النساء، بل بقدرته على احترام حقهن في التعليم و العمل و الأمان و القرار.