|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عمار صالح عباس
!--a>
2026 / 7 / 11
لا تختار المرأة في معظم الحالات أن تصبح المعيل الوحيد لأسرتها، بل تصل إلى هذا الموقع بسبب وفاة الزوج، أو الطلاق، أو الهجر، أو المرض، أو الإعاقة، أو فقدان أحد أفراد الأسرة، أو بسبب ظروف اقتصادية و اجتماعية تجعلها تتحمل مسؤولية البيت كاملة. و مع ذلك، تُعامل المرأة المعيلة في كثير من المجتمعات العربية كما لو أنها حالة استثنائية تحتاج إلى الشفقة، لا مواطنة تؤدي عملاً اقتصادياً و اجتماعياً مضاعفاً. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن الحماية القانونية، على أهميتها، لا تكفي وحدها إذا بقي المجتمع ينظر إليها بعين الشك أو الوصاية أو التقليل من قدرتها.
غالباً ما يُختزل الحديث عن النساء المعيلات في راتب للرعاية الاجتماعية، أو منحة محدودة، أو مساعدة موسمية. هذه الأدوات ضرورية في بعض الحالات، لكنها لا تصنع استقلالاً حقيقياً، و قد تتحول إلى إدارة دائمة للفقر بدلاً من الخروج منه. المرأة التي تعيل أطفالاً أو والدين مسنين تحتاج إلى دخل مستقر، و فرصة عمل مناسبة، و رعاية صحية، و حضانة أطفال يمكن تحمل كلفتها، و حماية من الاستغلال في العمل و السكن. عندما تغيب هذه العناصر، تصبح الإعالة عبئاً يومياً لا ينتهي، حتى لو كان اسم المرأة مدرجاً في سجل رسمي للمستفيدات.
الأرقام تكشف حجم الفجوة. فقد قدّر البنك الدولي أن مشاركة النساء في سوق العمل في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا بلغت نحو 19% في عام 2023، مقابل متوسط عالمي يقارب 48%. و في العراق و الأردن، تقل نسبة النساء العاملات أو الباحثات فعلياً عن عمل عن 15%، بينما تبقى رعاية الأطفال من أبرز العوائق أمام دخول النساء إلى سوق العمل. كما أن نسبة الأطفال المستفيدين من خدمات رعاية رسمية في العراق لا تتجاوز 0.7% للفئة العمرية من صفر إلى أربع سنوات، و هو رقم يوضح أن المرأة المعيلة مطالبة بالعمل و الرعاية في الوقت نفسه، من دون بنية مساندة كافية.
و لا يقتصر العبء على العمل المأجور. فوفق تقديرات منظمة العمل الدولية، بقيت 708 ملايين امرأة خارج سوق العمل عالمياً في عام 2023 بسبب مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة، و بلغت نسبة النساء اللاتي ذكرن الرعاية سبباً لعدم المشاركة 59% في الدول العربية. هذه الأرقام تعني أن المجتمع يعتمد اقتصادياً على عمل نسائي غير مرئي، ثم يتعامل مع المرأة المعيلة كأنها غير منتجة أو غير قادرة على إدارة الأسرة. و الحقيقة أنها تؤدي وظيفتين في وقت واحد: تأمين الدخل و إدارة الرعاية اليومية.
في العراق، تزداد المسألة تعقيداً لدى أسر المفقودين و النازحين و المتضررين من النزاعات السابقة. فقد أشارت تقارير أممية إلى أن غياب الرجال أو فقدانهم ترك عدداً كبيراً من الأسر برئاسة نساء يواجهن مخاطر اقتصادية و نفسية و اجتماعية، إضافة إلى صعوبات في الوثائق و الإرث و الحضانة و التعويض. كما أن أطفال بعض الأسر التي تعيلها النساء يواجهون مشكلات في الوصول إلى الوثائق المدنية و الجنسية، و هذا يحول المشكلة من ضائقة مالية إلى دائرة متوارثة من الهشاشة.
لكن الجانب القانوني ليس وحده موضع الخلل. فالمجتمع قد يعترف بالمرأة المعيلة على الورق، ثم يضيّق عليها في الحياة اليومية. قد تُرفض في بعض الوظائف لأنها أم، أو تُستغل بحجة حاجتها إلى المال، أو تُراقب حركتها و علاقاتها بطريقة لا تُفرض على الرجل المعيل. و قد تُحمّل مسؤولية أي تعثر يواجه أبناءها، و كأن فقدان الدعم الأسري و ضغط العمل و ضعف الخدمات لا أثر لها. هذا النوع من الأحكام الاجتماعية يصنع عزلة صامتة، و يدفع بعض النساء إلى قبول أعمال غير آمنة، أو أجور متدنية، أو الاعتماد الكامل على الأقارب.
الاستيعاب الاجتماعي الحقيقي يبدأ عندما تتغير النظرة من الشفقة إلى الاعتراف. المرأة المعيلة ليست ملفاً خيرياً، بل مواطنة لها حقوق و قدرات و مسؤوليات. المطلوب هو سياسات تشغيل مرنة، و حضانات منخفضة الكلفة، و تدريب مهني مرتبط بسوق العمل، و قروض صغيرة لا تقوم على الاستغلال، و تأمين صحي، و تسهيل الإجراءات القانونية، و حماية واضحة من التمييز. كما أن المدارس و وسائل الإعلام و مؤسسات المجتمع مطالبة بعدم تصوير أسرتها بوصفها أسرة ناقصة، لأن الأسرة لا تُقاس بشكلها التقليدي، بل بقدرتها على توفير الأمان و التربية و الكرامة لأفرادها.
برأيي المتواضع فإن طريقة تعامل المجتمع مع النساء المعيلات تكشف مقدار عدالته أكثر مما تكشفه نصوصه القانونية. فالقانون يستطيع أن يمنح راتباً أو وثيقة، لكنه لا يستطيع وحده أن يزيل الوصمة، أو يخلق فرصة عمل، أو يوفر حضانة، أو يمنع الاستغلال. الحماية الحقيقية تبدأ عندما لا تضطر المرأة إلى إثبات استحقاقها للكرامة في كل معاملة، و عندما يُنظر إليها بوصفها شريكاً اقتصادياً و اجتماعياً، لا حالة طارئة تنتظر المساعدة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|