تفكيك البنية الفقهية لفتاوى المرأة: من العُرف النَّجدي إلى قيد سد الذرائع



سامر مليح
2026 / 7 / 13

لا يمكن قراءة المشهد الفكري والاجتماعي المعاصر في منطقة الخليج العربي، دون التوقف ملياً عند الترسانة الفقهية والأيديولوجية التي أنتجتها المؤسسات الدينية التقليدية على مدى العقود الماضية.
إن تفكيك هذه البنية الإفتائية ليس مجرد ترف فكري أو سجال عابر، بل هو ضرورة حتمية لفهم الآليات التي اختطفت الفضاء العام، وحاصرت الوعي المجتمعي، وصادرت الحقوق الإنسانية الأساسية لنصف المجتمع.
في هذه القراءة التاريخية والتحليلية، نسعى إلى تسليط الضوء على الخلل البنيوي والمنهجي في فتاوى "اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" المتعلقة بالمرأة، وكيف تحول العُرف المحلي والهاجس الأمني الفقهي إلى نصوص مطلقة وقوانين كابحة للتطور.
شهد الفضاء الفقهي والاجتماعي طغيان نمط إفتائي متشدد تميز بإنتاج فتاوى حاصرت المرأة في تفاصيل حياتها اليومية، بدءاً من الحركة والتعليم، وصولاً إلى العمل والولايات العامة. ولم تكن هذه الفتاوى مجرد اجتهادات دينية عابرة، بل شكلت غطاءً أيديولوجياً لنمط اجتماعي محدد أُسْبِغَت عليه مسحة من القداسة الإلهية.
وإن نقد هذه الفتاوى اليوم، من منظور بحثي وتاريخي، يختزل عيوبها البنيوية في ثلاثة محاور قاتلة:
أولاً: تحويل "سد الذرائع" من تدبير استثنائي إلى قيد تشريعي حاكم
توسعت اللجنة الدائمة في استخدام قاعدة "سد الذرائع" (وهي منع المباح خوفاً من وقوع المحظور) لدرجة أصبحت معها هي الحاكمة على النص والواقع.
يظهر ذلك جلياً في نص الفتوى الشهيرة الصادرة عن اللجنة عام 1411هـ بشأن منع قيادة المرأة للسيارة، حيث جاء في نصها:"إن قيادة المرأة للسيارة تتضمن مفاسد كثيرة.. منها الخلوة بالمرأة الأجنبية، ومنها السفور، ومنها مخالطة الرجال بدون حذر، ومنها ركوب السوء.. فالواجب منع ذلك سداً للذرائع المؤدية إلى هذه المحظورات" .
إن هذا المنهج الاستدلالي لا يبني الحكم على حرمة الفعل ذاته (فالركوب والقيادة مباحان بالأصل)، بل بناءً على توليد سلسلة من الأوهام والظنون حول "ما قد يحدث" من مفاسد متوهمة.
هذا التوسع حوّل المجتمع في نظر المفتي إلى بنية هشة مهددة بالانهيار الأخلاقي لمجرد حركة المرأة في الفضاء العام.
ثانياً: عزل العُرف المحلي وإلباس التقاليد ثوب النص الكوني
وقعت هذه الفتاوى في فخ "محلية الفتوى وكونية التطبيق"؛ إذ تم أخذ الأعراف القبلية والاجتماعية السائدة في بيئة نجد في منتصف القرن العشرين، واعتُبِرت هي المعيار الحقيقي للإسلام الصحيح عابراً للزمان والمكان.
يتضح هذا في إصرار المنظومة التقليدية على فرض شكل محدد وصارم لزي المرأة ومجال حركتها.ففي الإجابة عن الفتوى رقم (6720)، نصت اللجنة الدائمة على:"الواجب على المرأة المسلمة ستر رأسها ووجهها وجميع بدنها بحضرة الرجال الأجانب".
وفي السياق ذاته، اعتبر الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في أدبياته أن كشف الوجه هو أصل الفتنة ومكمن الخطر، متجاوزاً بذلك الخلاف الفقهي التاريخي الهائل بين المذاهب الأربعة حول عورة المرأة وتحديداً جواز كشف الوجه والكفين.
لقد أغفل هذا التعميم التنوع الجغرافي والسوسيولوجي للمجتمعات الإسلامية، بل وتجاهل طبيعة الحياة الإنسانية الطبيعية التي عاشتها المرأة في الجزيرة العربية نفسها قبل عصر الطفرة النفطية وتمدد التيار الصحوي.
ثالثاً: النظرة الأبوية القاصرة لأهلية المرأة القانونية والإنسانيةانطلقت أدبيات اللجنة الدائمة في تعاملها مع عمل المرأة من فرضية مركبة تقوم على طفولية المرأة العقلية والجسدية من جهة، وكونها "عورة ومصدراً دائماً للغواية والفتنة" من جهة أخرى.
هذا التعطيل لمبدأ الأهلية والمسؤولية الفردية أنتج فقه "الوصاية الصارمة".
يبرز هذا بوضوح في تحذير صريح كتبه الشيخ عبد العزيز بن باز على موقعه الرسمي مهاجماً الدعوات لتمكين المرأة اقتصادياً:"فإن الدعوة إلى نزول المرأة للعمل في ميدان الرجال المؤدي إلى الاختلاط... أمر خطير جداً له تبعاته الخطيرة، وثمراته المرة، وعواقبه الوخيمة، رغم مصادمته للنصوص الشرعية".
هذا المفهوم الضيق للمجال العام حصر دور المرأة حصراً داخل أسوار المنزل، واعتبر خروجها للعمل في مجالات المحاسبة أو التجزئة أو الإدارة بمثابة تهديد للمنظومة القيمية، مما عطل طاقات نصف المجتمع وعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية للعديد من الأسر.
خاتمة:
خلاصة القول، إن التهاوي السريع لتلك المنظومة الإفتائية أمام عجلة التحديث والتمكين القانوني والسيادي المعاصر، يمثل دليلاً دامغاً على "تاريخانية الفتوى" وهشاشة بنيتها المنهجية. لقد أثبت الواقع المعاش أن تلك التحذيرات لم تكن سوى انعكاسٍ لذهنية رعوية وقبلية تخشى التغيير، وليست تشريعاً إلهياً عابراً للأزمنة .
إن هذا التحول يضع العقل التنويري والبحثي اليوم أمام مسؤولية تاريخية كبرى: وهي المضي قدماً في علمنة القوانين، وفصل المطلق الديني عن النسبي البشري، وبناء مجتمعات قائمة على المواطنة الكاملة والأهلية الإنسانية المتساوية، بعيداً عن وصاية التراث المؤدلج وقيد سد الذرائع.