سيدات الحَجَر والصّخر: المَكانة السيَادية للمرأة في حضَارات المَملكة العربية السعودية القَديمة



إيمان القحطاني
2026 / 7 / 15

تسود في القراءات التاريخية الكلاسيكية مغالطة كبرى تختزل تاريخ المرأة في الجزيرة العربية قبل الإسلام في صورة نمطية قوامها التهميش والغياب الثقافي والسياسي. إلا أن المعطيات الأثرية القاطعة، المتمثلة في آلاف النقوش الصخرية والمكتشفات التنقيبية الحديثة في العلا، وتيماء، والجوف، وثاج، ونطاق الفاو، جاءت لتطيح بهذه السردية القاصرة، مبرهنة على أن المرأة السعودية المعاصرة في قيادتها وبنائها للمجتمع اليوم ليست ظاهرة حديثة، بل هي امتداد جيني وثقافي لإرث سيادي مارست فيه المرأة دور الملكة، والكاهنة، وتاجرة القوافل، والمالكة القانونية المستقلة منذ آلاف السنين.
يتجلى هذا الثقل الريادي للمرأة في تاريخ المملكة عبر ثلاثة محاور حضارية كبرى:
1. ملكات شمال الجزيرة العربية: الند الجيوسياسي للإمبراطوريات
في واحة دومة الجندل التاريخية بمنطقة الجوف، تكشف السجلات الآشورية المكتوبة عن حقبة تاريخية مذهلة (بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد) لم يكن الحكم فيها للرجال، بل قادتها سلالة من الملكات العربيات السياديات اللواتي أدرن دفة الحرب والدبلوماسية في وجه الإمبراطورية الآشورية العظمى.
الملكة زبيبة والملكة سمسي: قادتا الجيوش وحركتا المقاومة السياسية لحماية استقلال الممرات التجارية في شمال الجزيرة.
الملكة يثيعة والملكة تعلخونو: أدرن العلاقات الدبلوماسية المعقدة، وامتلكن سلطة مزدوجة جمعت بين القيادة السياسية والمكانة الدينية الرفيعة ككاهنات، مما يثبت أن مفهوم "الدولة والسيادة" في أقدم حواضر المملكة ارتبط ارتباطاً وثيقاً بذكاء المرأة وقدرتها الإدارية.
2. واحة العلا وثاج: الملكية المستقلة والتشريع القانوني
في الفضاء الحضاري لممالك دادان ولحيان والأنباط (محافظة العلا)، تُقدم النقوش الدادانية والنبطية على الواجهات الصخرية للمقابر أدلة قانونية بالغة الأهمية على المكانة الحقوقية للمرأة.
الاستقلال المالي والقانوني: تكشف النقوش في الحِجر (مدائن صالح) أن المرأة النبطية كانت تتمتع بأهلية قانونية كاملة؛ حيث كانت تمتلك العقارات، والمقابر، والأراضي باسمها المستقل، وتملك حق البيع، والشراء، والتوريث، وفرض الغرامات القانونية دون الحاجة لوصاية الذكور.
سيدات ثاج الذهبيات: في شرق المملكة (المنطقة الشرقية)، كشفت التنقيبات في موقع ثاج الأثري عن مقبرة أميرة لامرأة من القرن الأول الميلادي، دُفنت بكامل حليها الذهبية الأخاذة وقناعها الذهبي، مما يوضح الثراء والمكانة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الرفيعة التي كانت تتمتع بها المرأة في حواضر شرق الجزيرة العربية.
3. مجتمع القوافل: المرأة شريكة الاستثمار والتجارة
في قرية الفاو (عاصمة مملكة كِندة الأولى)، كشفت الجداريات الفنية الملونة والمكتشفات الأثرية عن ملامح حياة يومية متطورة حظيت فيها المرأة بتقدير اجتماعي كبير؛ فظهرت في الرسومات بكامل أناقتها وحليها، كما أظهرت النقوش مشاركة المرأة في الأوقاف الدينية، وإدارة بعض شؤون الآبار ومصادر المياه، ودعم القوافل التجارية العابرة لطريق البخور.
الخلاصة: تمكين الحاضر هو امتداد لجينات الماضي
إن المكتشفات الأثرية والنقوش على صخور المملكة تقطع بأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بكفاءة؛ فالدعم غير المسبوق والتمكين الشامل الذي تحظى به المرأة السعودية اليوم في ظل رؤية السعودية 2030 لتقود قطاعات الثقافة، والدبلوماسية، والابتكار، والاقتصاد، ليس غريباً على جينات هذه الأرض. إن المرأة السعودية اليوم تعيد كتابة التاريخ بأدوات العصر، مستندة إلى إرث راسخ وممتد صنعته ملكات دومة الجندل وسيدات الحِجر وثاج قبل آلاف السنين، لتؤكد أن ريادتها الحالية هي استمرار طبيعي لعمق حضاري لم ينقطع يوماً