عندما تصبح العدالة امتيازًا للرجل: المحاكم الشرعية في لبنان بين الدين والتمييز



حسين محمود صالح
2026 / 7 / 15

لا تُقاس عدالة أي دولة بما تكتبه في دستورها، بل بما يحدث داخل قاعات محاكمها. وفي لبنان، تكفي امرأة أن تدخل إحدى محاكم الأحوال الشخصية حتى تدرك أن ميزان العدالة ليس متساويًا، وأن القانون قد لا ينظر إليها كمواطنة كاملة الحقوق، بل كطرف يخضع لمنظومة تمنح الرجل امتيازات قانونية لا تتمتع بها.

هذه ليست مجرد وجهة نظر، بل حقيقة وثقتها منظمات حقوقية دولية بعد دراسة مئات الأحكام القضائية. فقد خلص تقرير هيومن رايتس ووتش بعنوان “غير متساويات وغير محميات” إلى أن قوانين الأحوال الشخصية والمحاكم الدينية في لبنان تميز ضد النساء في قضايا الطلاق، والنفقة، وحضانة الأطفال، وأن النساء يواجهن عقبات قانونية وإجرائية تجعل الوصول إلى العدالة أكثر صعوبة مقارنة بالرجال. وقد استند التقرير إلى مراجعة 447 حكماً قضائياً وعشرات المقابلات مع قضاة ومحامين ونساء متضررات. (Human Rights Watch)

المشكلة لا تكمن في وجود محاكم دينية بحد ذاته، بل في غياب أي ضمان حقيقي للمساواة أمام القانون. فلبنان لا يملك قانونًا مدنيًا موحدًا للأحوال الشخصية، وإنما يخضع المواطنون لخمسة عشر نظامًا دينيًا مختلفًا، ما يعني أن الحقوق الأساسية للمرأة قد تختلف باختلاف طائفتها، لا باعتبارها مواطنة متساوية مع غيرها. (Human Rights Watch)

في العديد من القضايا، يتمتع الرجل بسلطات أوسع في إنهاء الزواج، بينما تضطر المرأة إلى خوض معارك قضائية طويلة ومكلفة لإثبات حق قد يكون مضمونًا للرجل بمجرد إرادته. أما في قضايا الحضانة، فقد وثقت منظمات حقوقية حالات جرى فيها نقل حضانة الأطفال إلى الأب استنادًا إلى معايير طُبقت على الأم دون الأب، ومن دون إعطاء الأولوية لمصلحة الطفل الفضلى. (Human Rights Watch)

ولا يتوقف الأمر عند النصوص القانونية، بل يمتد إلى إجراءات التقاضي نفسها. فالرسوم المرتفعة، وطول الإجراءات، وضعف المساعدة القانونية، وغياب الرقابة الفعالة على بعض المحاكم الدينية، كلها عوامل تجعل العدالة بعيدة المنال بالنسبة لكثير من النساء، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان. (Human Rights Watch)

المفارقة أن الدولة اللبنانية تعلن التزامها بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، لكنها تسمح باستمرار منظومة قانونية تكرس التمييز داخل الأسرة. فما قيمة الحديث عن المساواة إذا كانت المرأة لا تزال تدخل المحكمة وهي تعلم أن القانون يمنح الرجل أفضلية قانونية في قضايا تمس حياتها ومستقبل أطفالها؟

إن الدفاع عن إصلاح قوانين الأحوال الشخصية ليس هجومًا على الدين، ولا انتقاصًا من حرية المعتقد، بل دفاع عن مبدأ أساسي: أن تكون العدالة واحدة للجميع. فلا ينبغي أن تتحدد حقوق المرأة بجنسها أو بطائفتها، ولا أن يختلف مصير أطفالها باختلاف المرجعية الدينية التي تنظر في قضيتها.

إن استمرار هذا النظام لا يضر النساء وحدهن، بل يضعف ثقة المواطنين بمؤسسات العدالة، ويكرس فكرة أن الحقوق ليست حقًا أصيلًا، بل امتيازًا تمنحه السلطة الدينية أو تحجبه.

لبنان بحاجة إلى إصلاح شجاع، يبدأ بإقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، وإخضاع جميع المحاكم لمعايير العدالة الدستورية وحقوق الإنسان، وضمان أن تكون مصلحة الطفل والمساواة بين الجنسين فوق أي اعتبار آخر.

فالعدالة لا يمكن أن تكون عدالة إذا كانت تتغير بتغير جنس المتقاضي أو طائفته. والدولة التي تعجز عن حماية المرأة داخل قاعات محاكمها، تعجز عن ادعاء احترام حقوق الإنسان خارجها.