ليلى خالد: السنديانة التحررية وأيقونة الكفاح المسلح العابر للحدود (ضمن سلسلة أعلام الأمة



الناصر خشيني
2026 / 7 / 15

إن القراءة التقدمية لتاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة تلزمنا بإعادة الاعتبار للمثقف والمناضل العضوي الذي لم يكتفِ بنقد الواقع، بل سعى لتغييره بـ"العنف الثوري" المنظم ضد قوى الغصب الكولونيالي. وتأتي المناضلة ليلى خالد (مواليد حيفا 1944) في صدارة هذا الجيل الرائد الذي كسر أطواق النكبة، وحوّل خيام اللجوء البائسة في جنوب لبنان إلى قواعد ارتكازية للوعي القومي والتحرري العالمي. [1, 2, 3, 4]
أولاً: جدلية اللجوء والمقاومة.. مخاض الوعي الثوري
لم تولد ليلى خالد في غرف السياسة الفارهة، بل ولدت في عكا/حيفا وعاشت طفولة اقتلعت فيها من برتقال حيفا وجذورها التاريخية عام 1948. هذا الاغتصاب المادي للأرض شكّل صدمة وجودية مبكرة تعمقت في مخيمات صيدا بلبنان. [1, 2, 3, 4]
وفق المنهج التحليلي، فإن انخراطها المبكر وهي في الخامسة عشرة من عمرها في "حركة القوميين العرب" لم يكن ترفاً حزبياً، بل كان استجابة حتمية لحاجة الأمة لاسترداد ذاتها الحضارية. ومع ولادة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" بقيادة الحكيم جورج حبش، تحوّل هذا الوعي النظري إلى ممارسة كفاحية ملتزمة بأيديولوجيا يسارية تقدمية تدرك أن تحرير فلسطين يمر حتماً عبر تفكيك المنظومة الإمبريالية العالمية الداعمة للكيان الصهيوني. [1, 2]
ثانياً: بؤرة الصدمة الثورية.. أبعاد وأهداف اختطاف الطائرات
حينما نفذت ليلى خالد، كأول امرأة في التاريخ، عملية اختطاف طائرة الركاب الأمريكية (TWA) عام 1969، ثم محاولة اختطاف طائرة "العال" الإسرائيلية عام 1970، لم يكن الهدف ممارسة العنف الارتجالي أو الإرهاب بالمفهوم الغربي المضلل. إن تفكيك المقاصد السياسية لهذه العمليات يكشف عن بعدين استراتيجيين: [1, 4, 5]
كسر الحصار الإعلامي والسياسي: لفت أنظار ضمير العالم الأعمى إلى أن هناك شعباً بأكمله شُرد من أرضه.
الندية في المواجهة: فرض معادلات جديدة لتبادل الأسرى وتحرير النضال من قيود الاستجداء الدبلوماسي العقيم. [1, 3]
لقد أثبتت هذه العمليات النوعية الجرأة الأيديولوجية للفدائي الفلسطيني وقدرته على نقل المعركة إلى الفضاء الدولي لتعرية زيف الديمقراطيات الغربية الراعية للاحتلال. [1, 2]
ثالثاً: الأيقونة الأممية وتدمير القوالب الجندرية الرجعية
في مجتمع عربي كان يرزح تحت قوالب اجتماعية وتفسيرات نصية رجعية تحبس المرأة في دور الضحية أو التابع، برزت ليلى خالد بالكوفية الفلسطينية تلتف حول عنقها، وتحمل بندقية "الكلاشنكوف" بيمينها. هذه الصورة لم تكن مجرد ملصق ثوري، بل كانت بياناً نسوياً تقدمياً عملياً. [1]
لقد أسقطت ليلى خالد الفوارق البيولوجية في خنادق القتال، وأثبتت أن التحرر الاجتماعي والسياسي للمرأة العربية لا يتحقق بالوصفات المستوردة من صالونات الغرب الليبرالي، بل يولد من صلب معركة التحرر الوطني والقومي. غدت ليلى رمزاً عالمياً ملهماً لحركات التحرر من فيتنام إلى أمريكا اللاتينية، موازية في رمزيتها الثورية لـ"تشي جيفارا". [1]
رابعاً: الاستمرارية وصيانة الذاكرة في جيل العودة
لم تنتهِ مسيرة ليلى خالد بانتهاء مرحلة العمليات الخارجية؛ بل تواصلت في أروقة النضال السياسي والمؤسساتي داخل "المجلس الوطني الفلسطيني" وقيادة "الجبهة الشعبية". وهي اليوم -رغم المرض والتقدم في السن- لا تزال تمثل "جيل النكبة" الشاهد والمقاوم، الذي يرفض التفريط بالثوابت القومية. [1, 3, 4]
إن تداول النضال في فكر ليلى خالد يرتكز على تسليم الراية للأجيال الشابة وتأصيل فكرة أن المقاومة هي قدر تاريخي ممتد. فالاستسلام والتسويات الاستسلامية (كأوسلو وأخواتها) لم تزد القضية إلا تراجعاً، وهو ما حذرت منه دائماً داعية إلى استعادة الوحدة الوطنية المبنية على برنامج المقاومة الشاملة. [1, 2]
خاتمة ومقاصد قومية
إن ليلى خالد في تاريخ النضال العربي ليست مجرد حدث تاريخي عابر، بل هي رمز لإمكانية "الفعل" والثورة عندما تتوفر الإرادة الثورية الصلبة والتنظيم الطليعي الملتزم. ستبقى هويتها الفدائية حية في العقل الجمعي العربي؛ لتؤكد مجدداً أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وأن كوفيتها وبندقيتها هما الطريقان الوحيدان نحو العودة والسيادة الوطنية الكاملة. [1, 2, 3]
الهوامش والمراجع الفكرية:
خالد، ليلى. شعبي سيعيش: السيرة الذاتية لثورية، لندن، 1973 (توثيق المقاصد الكفاحية).
أرشيف سلسلة أعلام الأمة، قراءات في سيكولوجيا الثورة والفعل النسوي المقاوم.
أدبيات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: وثائق ومواقف في العمل الثوري الخارجي