|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
الناصر خشيني
!--a>
2026 / 7 / 16
تظل الثورة التحريرية الجزائرية (1954-1962) واحدة من أعظم الملاحم الإنسانية في التاريخ الحديث؛ إذ لم تكن مجرد كفاح مسلح لطرد مستعمر استيطاني، بل كانت مدرسة لبعث الهوية العربية وتكريس الفكر التقدمي الرافض لجميع أشكال العبودية والاضطهاد [1]. وفي قلب هذه الملحمة، تلألأ اسم جميلة بوحيرد كرمز خالد للمرأة العربية المقاوِمة، وأيقونة ألهمت حركات التحرر في الوطن العربي والعالم أجمع [2].
النشأة والتكوين: جذور العروبة وروح الرفض
ولدت جميلة بوحيرد عام 1935 في حي القصبة العتيق بالعاصمة الجزائر، لأب جزائري مثقف وأم تونسية، مما منحها عمقاً مغاربياً وقومياً مبكراً [3]. وفي بيئة طغت عليها محاولات "الفرنسة" الممنهجة، تلقت تعليمها في المدارس الاستعمارية التي كانت تجبر التلاميذ على ترديد نشيد "فرنسا أمنا" [4]. وهنا تجلت بوادر التمرد التقدمي لدى الفتاة الصغيرة؛ إذ كانت تصرخ في الطابور المدرسي: "الجزائر أمنا"، متحديةً بطش الإدارة الاستعمارية [5]. غرس والدها فيها حب الأرض والدفاع عن الكرامة، ورغم شغفها بالخياطة والتطريز وركوب الخيل، إلا أن نداء الوطن كان أقوى مع اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954 [6].
المسيرة النضالية: الفدائية المقاتلة في وضح النهار
انضمت جميلة بوحيرد إلى جبهة التحرير الوطني (FLN) وهي في العشرين من عمرها [7]. وانخرطت في صفوف الفدائيين الأوائل كمسؤولة اتصال للقائد سعدي ياسف في معركة الجزائر العاصمة [8]. غدت جميلة من أوائل المتطوعات لزرع القنابل في مسارات تحرك جنود الاحتلال، متسلحة بإرادة صلبة وبقدرة فائقة على التخفي وتجاوز الحواجز العسكرية الفرنسية بزيها العصري الغربي [9].
في عام 1957، وأثناء مواجهة مسلحة، أصيبت جميلة برصاص الاحتلال وتم اعتقالها [10]. واجهت بوحيرد في أقبية التعذيب أبشع صنوف التنكيل الجسدي والنفسي، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، لكنها رفضت أن تبوح بكلمة واحدة للاعتراف على رفاقها [11].
المحاكمة التاريخية: عندما تحولت الضحية إلى قاضٍ
أمام عجز الجلادين، أحيلت جميلة إلى محكمة عسكرية صورية قضت بإعدامها في أواخر عام 1957 [12]. ومن داخل زنزانتها، واجهت القضاة بعبارتها الشهيرة التي هزت ضمير العالم: "أعرف أنكم ستحكمون علي بالإعدام، لكن لا تنسوا أنكم بإعدامي تقتلون تقاليد الحرية في بلدكم" [13].
تولى الدفاع عنها المحامي التقدمي الفرنسي جاك فيرجيس، الذي آمن بعدالة قضيتها وأسس مع رفاقه حملة دولية كبرى لإنقاذها عبر كتابهما المشترك "من أجل جميلة" [14]. وتحت وطأة الضغط الشعبي العارم في العواصم العربية والعالمية، وتضامن كبار المثقفين والأحرار، أُجبرت السلطات الفرنسية على تأجيل تنفيذ الحكم، وتعديله لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، إلى أن نالت حريتها مع استقلال الجزائر عام 1962 [15].
ما بعد الاستقلال: الالتزام بالمبادئ ورفض الانتهازية
بعد الاستقلال، تزوجت جميلة من محاميها جاك فيرجيس بعد أن أشهر إسلامه [16]. ورغم الهالة الأسطورية التي أحاطت بها، آثرت الابتعاد عن بريق السلطة والمناصب السياسية الرسمية. ظلت بوحيرد وفية لضميرها النضالي؛ فلم تتردد في العقود الأخيرة في النزول إلى الشارع ودعم الحراك الشعبي الجزائري عام 2019 ومناصرة قضايا الحق العربي، رافضةً المساومة على كرامة الشعب أو تسييس تاريخها [17].
خاتمة
إن جميلة بوحيرد ليست مجرد صفحة مطوية في كتاب التاريخ؛ بل هي نموذج للمرأة العربية التقدمية التي كسرت قيود التبعية وصنعت مع رفاقها فجر الحرية. تظل "جميلة" المعادل الموضوعي للأنفة والتحرر القومي، ومثالاً حياً على أن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالوعي والطلائعية، قادرة على دحر أعتى الإمبراطوريات الاستعمارية.
الهامش والمصادر (References)
فينس، ناتاليا، المرأة والثورة الجزائرية: التاريخ المنسي والمواطنة ما بعد الاستعمار، لندن: دار نشر أكسفورد، 2015، ص 89.
شربيط، أحمد شربيط (جمع وتقديم)، كتاب جميلة بوحيرد في الوجدان العربي، الجزائر: موفم للنشر، 2011، ص 45.
لازريج، مارنيا، بليغة ولكن صامتة: المرأة الجزائرية في الحرب، نيويورك: روتليدج، 1994، ص 105.
موقع جدلية الأكاديمي، "أرشيف الشخصيات الوطنية: جميلة بوحيرد"، ملف سبتمبر 2012.
لوفيفر، ماري آن، المحاكمات السياسية وحركات التحرر في المغرب العربي، ترجمة: أحمد الصادق، بيروت: دار التنوير، 1988، ص 142.
شربيط، أحمد شربيط، مرجع سابق، ص 48.
ياسف، سعدي، معركة الجزائر العاصمة، الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 2003، ج 2، ص 112.
موسوعة الجزيرة للمعلومات، "المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد.. أيقونة الثورة"، باب شخصيات، مارس 2023.
ياسف، سعدي، مرجع سابق، ص 120.
أرنو، جورج وفيرجيس، جاك، من أجل جميلة بوحيرد (Pour Djamila Bouhired)، باريس: منشورات منتصف الليل، 1957، ص 18.
لازريج، مارنيا، مرجع سابق، ص 110.
لوفيفر، ماري آن، مرجع سابق، ص 149.
أرنو، جورج وفيرجيس، جاك، مرجع سابق، ص 22.
لوفيفر، ماري آن، مرجع سابق، ص 153.
فينس، ناتاليا، مرجع سابق، ص 94.
شربيط، أحمد شربيط، مرجع سابق، ص 53.
موقع جدلية الأكاديمي، مرجع سابق،
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|