بين طموح التمكين وسقف الرتب: جدلية غياب المرأة السعودية عن رتب الضباط العسكريين



منى جداوي
2026 / 7 / 16

تشهد المملكة العربية السعودية منذ إطلاق "رؤية 2030" تحولات جذرية طالت كافة الصعد، وكان لملف تمكين المرأة النصيب الأوفر منها. فبعد عقود من الانغلاق، انفتحت أمام النساء أبواب كانت موصدة، لعل أبرزها دخول السلك العسكري والأمني بوزارتي الدفاع والداخلية. إلا أن هذا التمكين لا يزال يثير نقاشاً واسعاً بين الأوساط الأكاديمية والحقوقية، نظراً لتوقفه عند سقف "رتب الأفراد وضباط الصف" (من جندي إلى رقيب)، وحظر دخول النساء للكليات العسكرية العريقة لنيل رتبة "ضابط".
من وجهة نظر نقدية، يرى محللون ومدافعون عن حقوق المرأة أن هذا القيد التنظيمي يمثل "سقفاً زجاجياً" يتناقض مع الروح العامة لرؤية التحديث التي تتبناها الدولة. فالمرأة السعودية اليوم تقود وزارات، وتدير هيئات دبلوماسية واقتصادية كبرى، وتجلس في مقاعد مجلس الشورى؛ لذا فإن حجب رتب القيادة العسكرية عنها يبعث برسالة مفادها أن الكفاءة القيادية للمرأة معترف بها في القطاع المدني ومشكوك فيها في القطاع العسكري.
ويضيف النقاد أن حصر النساء في الرتب الدنيا يحرم المؤسسة العسكرية من استغلال طاقات هائلة. فالكثير من المتقدمات لهذه الوظائف يحملن شهادات جامعية عليا في تخصصات حيوية مثل الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، الهندسة، والاستخبارات والتحليل؛ وهي مجالات تخطيطية واستراتيجية تتطلب رتباً قيادية (ضباط) لتفعيلها داخل غرف العمليات، بدلاً من حصر مهامهن في الجوانب الإدارية، التفتيشية، أو الطبية.
علاوة على ذلك، يُطرح التساؤل حول واقع القيادة داخل القطاعات النسائية العسكرية نفسها؛ فبما أن أعلى رتبة يمكن للمرأة بلوغها هي "رقيب"، فإن هذا يعني أن كافة الإدارات والقطاعات النسائية تظل تحت إدارة وإشراف قيادات رجالية برتب ضباط، مما يعطل مفهوم "التمكين الكامل والاستقلالية الإدارية" للمرأة في مساحات عملها الخاصة. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بتجارب دول خليجية وعربية شقيقة (مثل الكويت، الإمارات، البحرين، والأردن) التي تخرج فيها النساء من كليات الشرطة والجيش برتبة ملازم فما فوق، وأثبتن جدارة ميدانية وإدارية عالية دون الإخلال بالمنظومة الأمنية.
في المقابل، يرى الجانب التنظيمي والمدافعون عن السياسة الحالية أن هذا الطرح يغفل طبيعة المؤسسة العسكرية الصارمة وسياستها المبنية على "التدرج والمرحلية". فدخول المرأة للجيش السعودي خطوة حديثة العهد نسبياً، وتتطلب سنوات من التقييم، وتجهيز البيئة اللوجستية، وتحديث التشريعات قبل الانتقال إلى مراحل القيادة العليا. كما يعتبرون أن الموازنة بين متطلبات التحديث وسيكولوجية المجتمع ومعاييره اللوجستية تتطلب تروياً لضمان نجاح التجربة واستدامتها.
بين هذين الرأيين، يظل ملف "الضابطات السعوديات" ملفاً مفتوحاً للمستقبل. ومع استمرار وتيرة التغيير المتسارعة، يتوقع كثيرون أن يكون فتح الكليات العسكرية أمام النساء مجرد مسألة وقت، لتكتمل بذلك حلقة التمكين في كافة مؤسسات الدولة السيادية.