|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
نورا البدر
!--a>
2026 / 7 / 16
تخوض المرأة المعاصرة معركة وهمية على جبهة "الاستقلال المالي"؛ فبينما تُشير الإحصاءات الرسمية والتشريعات الحديثة إلى قفزات هائلة في تمكين المرأة اقتصادياً ودخولها سوق العمل، يكشف الواقع المعاش عن جريمة صامتة ومزلزلة تُرتكب خلف الأبواب المغلقة: "العنف المالي المُمأسس". إن المنظومة الأبوية التي لطالما تغنت بوجوب نفقة الرجل على المرأة كشرط لقوامته، سقطت في أول اختبار مادي، وتحولت من دور "المنفق" إلى دور "المستثمر الانتهازي" الذي يرى في راتب ابنته أو زوجته، وفي إرثها الشرعي، غنيمة حرب يحق له وضع اليد عليها بقوة العرف والترهيب الاجتماعي.
عقود الإذعان: الوظيفة مقابل الجزية الأسرية
يتجلى السطو الذكوري في أبشع صوره عبر ما يمكن تسميته بـ "الجزية الأسرية". لم يعد خروج المرأة للعمل حقاً طبيعياً مرتبطاً بأهليتها المدنية، بل أصبح صفقة تجارية يحدد شروطها الولي (الأب أو الأخ أو الزوج). يُمارَس ضد المرأة ابتزاز علني؛ فإما أن تتنازل عن نسبة ضخمة من راتبها شهرياً لصالح الولي، أو تُحرم من العمل وتُحبس في المنزل. هنا تتحول الولاية الشرعية إلى "عقد إذعان" وممارسة لصوصية مرخصة اجتماعياً، حيث يتقاضى الرجل ثمن "سماحه" للمرأة بممارسة حقها الإنساني في الإنتاج، وكأن أجر تعبها وسهرها هو ملكية فكرية مسجلة باسم عائلتها.
في أروقة الواقع، نجد حالة "أمل" (31 عاماً، مهندسة)، التي يُجبرها والدها على تسليم بطاقتها المصرفية (الصراف الآلي) مع بداية كل شهر، ليمنحها "مصروفاً" ضئيلاً لا يكاد يكفي مواصلاتها، بينما يتصرف هو ببقية الراتب لبناء عقاراته الخاصة وتزويج إخوتها الذكور. وعندما حاولت أمل استعادة بطاقتها، جُردت من هاتفها، وحُبست في غرفتها، واتُهمت في شرفها ووفائها لأسرتها. هذا لادين ولا مروءة، بل هو استرقاق اقتصادي حديث يرتدي ثوب البر والطاعة.
إسقاط النفقة: القوامة الانتهازية والإنفاق المقلوب
المفارقة المقززة في المشهد الأبوي المعاصر هي مرونة مفهوم "القوامة" وتشكيله وفقاً لمصلحة الرجل المادية. عندما يتصل الأمر بالقرار والسيطرة وحظر السفر، يتمسك الرجل بالآيات والنصوص التي تمنحه حق القوامة والقيادة، لكن عندما يأتي وقت دفع الفواتير ونفقة المنزل والأطفال، تختفي القوامة فجأة، ويُمارس "الإنفاق المقلوب". تُجبر المرأة العاملة، تحت تهديد الطلاق أو الطرد، على تحمل كافة المصاريف المعيشية، بينما يحتفظ الرجل براتبه لملذاته الشخصية أو لتأمين مستقبله المنفصل.
هذا النفاق الاقتصادي يُنتج واقعاً مأساوياً تكون فيه المرأة هي "المنفق الحقيقي" على المنزل، بينما يظل الرجل هو "المالك الرمزي" للسلطة داخل هذا المنزل. إن إجبار المرأة على التخلي عن حقها في النفقة مقابل سلامتها من الأذى الأسري هو ابتزاز مادي صريح، يستغل حاجة المرأة الفطرية للأمان والاستقرار لامتصاص دمها واكتناز أموالها دون وجه حق.
الحجب والابتزاز: سرقة الميراث تحت تهديد الوصمة
لا يتوقف الجشع عند حدود الرواتب، بل يمتد لنهب الإرث الشرعي. تعاني آلاف النساء مما يُعرف بـ "الحجب العرفي للميراث"، حيث يُعتبر خروج أموال الآباء إلى عائلة زوج الابنة "خطيئة قبلية". تُجبر المرأة على التنازل عن نصيبها من الأراضي أو العقارات لإخوتها الذكور مقابل مبالغ زهيدة أو تحت ضغط التهديد بالقطيعة التامة. يُقال لها علناً: "الرجل يحمل اسم العائلة، أما أنتِ فمالكِ لزوجكِ". هذا السلوك ليس مجرد تعدٍ على حقوق المرأة، بل هو تعطيل صريح لحدود الله التي فُصلت في القرآن، واستبدال للأحكام الإلهية بأعراف الجاهلية الأولى.
شعار المقال وخاتمته:
إن قوامةً تسقط عند دفع الفواتير وتستيقظ عند نهب الرواتب هي قوامة لصوصية ساقطة شرعاً وعرفاً. كفّوا عن اقتيات عرق النساء وسرقة مصائرهن؛ فراتب المرأة وإرثها هما حصن أمانها المدني والوجودي، والاستمرار في تحويل النساء إلى آلات صرافة عائلية مع تجريدهن من قرار مالِهن هو دناءة أخلاقية وجريمة اقتصادية معلنة لن تحجبها عباءات البر الزائف.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|