|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
نورا البدر
!--a>
2026 / 7 / 16
تحت شعارات برّاقة مثل "الإصلاح الأسري" و"ستر البيوت"، تُمارس المنظومة الاجتماعية واحدة من أخطر عمليات الابتزاز الممنهج ضد النساء المعنفات. إن فلسفة الصلح في المشهد الثقافي التقليدي لم تعد وسيلة لتحقيق العدالة أو التراضي، بل تحولت إلى آلية تدوير لـ "العنف الأسري" وإعادة إنتاجه برعاية مجتمعية. عندما تهرب امرأة من جحيم الضرب، الحبس، أو التهديد بالقتل، فإن أول ما تصطدم به ليس القانون، بل "مقصلة العرف" التي ترى في شكوى المرأة خروجاً عن الطاعة وجلباً للفضيحة، لتصبح حمايتها مؤجلة لحين إتمام طقوس "الصلح" التي تشتري هدوء العائلة على حساب سلامة الضحية.
الابتزاز المقدس: كيف يُساق "الستر" كقيد؟
يتجلى استغلال الخطاب الديني والاجتماعي هنا في تحريف مفهوم "الستر". فالستر في المنظومة الأبوية يعني حصرياً صمت المرأة، وتحملها الأذى بجسدها ونفسيتها لئلا تتشوه صورة العائلة الخارجية. يُمارس على المعنفة "إرهاب عاطفي" ضخم؛ تُتهم بأنها "تُخرّب بيتها بيديها"، وتُحمل مسؤولية تشتت الأبناء أو انقطاع رزق الزوج إذا ما تجرأت على اللجوء للجهات الرسمية. هذا الابتزاز يحول المجرم (المعنِف) إلى ضحية يُخشى على مستقبله المهني أو الاجتماعي، ويحول الضحية الحقيقية إلى متهمة بالأنشاز والتمرد، وكأن كرامة العائلة وحضورها الطبقي يتطلبان بالضرورة سحق عظام نسائها خلف الأبواب المغلقة.
في الواقع المعاش، نجد حالة "ندى" (29 عاماً)، التي تعرضت لكسر في ذراعها على يد زوجها، وعندما لجأت لعائلتها، لم يكن التحرك لانتزاع حقها، بل للضغط عليها للتنازل عن التقرير الطبي شريطة "تعهد خطي" من الزوج لا يساوي ثمن الحبر الذي كُتب به. أُعيدت ندى إلى ذات الجحيم تحت وابل من التهديدات العائلية بالتبرؤ منها إن هي طالبت بالطلاق. هذا "الصلح القسري" ليس حقناً للدماء، بل هو تسليم صريح للضحية إلى جلادها، وإعطاء ضوء أخضر للمُعنِف للاستمرار في بطشه آمنًا من العقاب.
الإرهاب النفسي بسلاح الأمومة: ابتزاز الأبناء لتركيع الضحية
إن أكثر السلوكيات الأبوية سادية هي استخدام الأطفال كرهائن لكسر إرادة المرأة وإجبارها على توقيع صك التنازل تحت مسمى الصلح. تُدرك العقلية الذكورية أن نقطة الضعف القاتلة لدى المرأة هي غريزة الأمومة، لذا يُشهر سلاح "الحرمان من الأبناء" فور تفكيرها في الخروج من دائرة الأذى. يُلقى في روع المعنفة عبارات تدميرية مثل: "إذا غادرتِ هذا البيت فلن تري أطفالكِ مجدداً"، أو "القانون لن ينفعكِ عندما نأخذهم منكِ عشائرياً بقوة السلاح أو النفوذ".
هذا الابتزاز النفسي العنيف يتكامل مع تخلي العائلة المحيطة بها عن الدعم؛ حيث يُردد أقاربها على مسامعها: "اصبري من أجل أطفالكِ، المرأة الصالحة تموت في بيت زوجها ولا تترك صغارها". هذا الطرح المشوه يُجبر المرأة على اتخاذ قرار انتحاري بالبقاء تحت سقف واحد مع جلادها، متجرعة الإهانات اليومية، ليس قناعة بالصلح، بل لأن ثمن حريتها هو بتر جزء من قلبها. إن إكراه المعنفة على التعايش مع الأذى بدعوى مصلحة الأطفال هو جريمة مضاعفة تنتج جيلاً مشوهاً يرى العنف ممارسة طبيعية، وتجعل من الأم ضحية صامتة تنتظر حتفها.
العنف المؤسسي الرمزي: عندما يتواطأ المصلح مع الجلاد
رغم التحولات التشريعية الكبرى والجهود الحكومية الحثيثة لتوفير خطوط ساخنة لبلاغات العنف الأسري، إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن في "الولاية الواقعية" و"العقلية الأبوية" لبعض الأفراد الخاضعين لسطوة العرف داخل لجان الإصلاح أو الدوائر المحيطة. في كثير من الأحيان، يُنظر إلى قضية العنف من منظور "تفكيك الأسرة"، فيتم توجيه النصح للمرأة بـ "الصبر واحتساب الأجر"، وتُقدم لها تنازلات مهينة مثل وعود شفهية بالتحسن، دون فرض عقوبات رادعة على المعنِف. إن مساواة الجاني بالضحية في جلسات الصلح، واعتبار العنف "خلافاً وجهة نظر"، هو شرعنة مبطنة للجريمة، وتحويل للمؤسسات الإصلاحية إلى أدوات تمديد لسلطة الرجل.
تتجلى هذه المعضلة في قصص النساء اللواتي قُتلن على يد أقاربهن بعد "جلسات صلح" قسرية أُجبرن فيها على العودة إلى منازل المعنفين. إن الدم المسفوك في هذه الحالات لا يتحمله القاتل وحده، بل تتقاسمه بالتساوي كل يد ضغطت على الضحية لتتنازل، وكل لسان أقنعها بأن "ظل الرجل ولا ظل الحائط"، وكل ثقافة رأت في كدمات جسدها مجرد "أمر خاص" يُحل داخل الغرف المظلمة.
شعار المقال وخاتمته:
إن الصلح الذي يقوم على كسر إرادة المرأة وإعادتها إلى حتفها باستخدام سلاح الأطفال والترهيب النفسي ليس إصلاحاً، بل هو تواطؤٌ صريح على الجريمة. كفّوا عن مقايضة أمان النساء بـ ستر البيوت ؛ فالبيوت التي لا تحمي نساءها هي سجونٌ معتمة، وحياة المرأة وسلامتها الجسدية والنفسية أقدس من أي عرف بال، وأسمى من أوهام التماسك الأسري الزائف.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|