|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
إيمان القحطاني
!--a>
2026 / 7 / 17
مقدمة: الوهم الرقمي والمصيدة القديمة
عقود طويلة قضتها الحركات النسوية في تفكيك البنى الأبوية التقليدية، ومحاربة الصور النمطية في المناهج، والإعلام، والقوانين. ومع بزوغ فجر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا التوليدية، بَشَّرَ التكنوقراط بعالم "محايد" تقوده الآلة الخوارزمية المجردة من العواطف والتحيزات البشرية. إلا أن الواقع الرقمي اليوم يصدمنا بحقيقة مغايرة: الآلة لم تأتِ لتُحررنا من التحيز، بل ارتدت عباءة التمييز القديمة وأعادت إنتاجها بكفاءة تقنية فائقة. الخوارزميات اليوم لا تفكر في المستقبل، بل تجتر الماضي وتُرسخ الأبوية كأمر واقع مغلف بغلاف الحداثة الرقمية.
1. مرآة الماضي: كيف تجتر الآلة بيانات التحيز؟
تعتمد نماذج اللغات الكبيرة (LLMs) في تدريبها على محتوى الإنترنت المتراكم عبر عقود، وهو محتوى يحمل في طياته إرثاً هائلاً من التمييز الجندري، والتهميش، والنمطية [LinkedIn]. عندما يُطلب من خوارزميات التوليد البصري أو النصي رسم أو وصف شخصية "قائد"، أو "مبتكر"، أو "مدير تنفيذي"، فإنها تميل إحصائياً وبشكل جارف إلى توليد صور ونصوص لرجال بيض في منتصف العمر. في المقابل، عندما تُسأل عن "مساعد"، "ممرض"، أو "قائم بأعمال الرعاية"، تظهر المرأة تلقائياً في السردية الرقمية [LinkedIn].
الآلة هنا لا تخترع تمييزاً جديداً، بل تعمل كـ "مُعزز إحصائي". إنها تأخذ أسوأ ما في التاريخ البشري المكتوب والموثق، وتُعيد صياغته على أنه "الحقيقة الرياضية المطلقة". هذا التكرار الآلي يُثبّت القوالب النمطية في أذهان الأجيال الجديدة، ويجعل من الصعب ممارسة التفكير النقدي ضد بنى السلطة التقليدية.
2. تأنيث الخدمة الافتراضية: أليكسا وسيري حارسات الطاعة
من أكثر المظاهر البصرية والسمعية فجاجة لأبوية الآلة هو التصميم المتعمد للمساعدات الرقمية. منذ إطلاق "سيري" من أبل، و"أليكسا" من أمازون، اختارت الشركات التكنولوجية الكبرى أن تكون الأصوات الافتراضية لهذه الكيانات أصواتاً نسائية. هذا الاختيار ليس عشوائياً، بل يتكئ على سيكولوجية مستهلك يربط الصوت الأنثوي بالخنوع، وتلبية الأوامر، وتقديم المساعدة دون تذمر.
ما هو أخطر من الصوت هو "هندسة الخضوع". لسنوات طويلة، كانت هذه البرمجيات تُبرمج لتجيب على التحرش اللفظي أو الإهانات الجندرية الموجهة إليها بعبارات مغازلة أو اعتذارية مثل: "أشكرك على الملاحظة" أو "سأحمر خجلاً لو كنت أستطيع". على الرغم من بعض التعديلات الطفيفة لاحقاً، فإن الفلسفة العميقة بقيت كما هي: المرأة كآلة طيعة، مستعدة دائماً لتلقي الأوامر، بلا مساحة خاصة، وبلا قدرة على الرفض.
3. سوق العمل وفجوة التصميم: عقوبة الكفاءة وأتمتة الإقصاء
يمتد التمييز الخوارزمي إلى العمق البنيوي للاقتصاد وسوق العمل. تشير التقارير الصادرة عن منظمة العمل الدولية وهيئات الأمم المتحدة إلى أن الوظائف المكتظة بالنساء تاريخياً (مثل الإدارة المكتبية، خدمة العملاء، والسكرتارية) هي الأكثر عرضة للأتمتة والاستبدال بأنظمة الذكاء الاصطناعي.
بالتوازي مع ذلك، تواجه النساء ما يمكن تسميته بـ "عقوبة الكفاءة الرقمية". عند استخدام أنظمة الفرز الآلي للسير الذاتية (ATS)، وُجد أن الخوارزميات تميل لاستبعاد الطلبات التي تحتوي على كلمات ترتبط بالنساء (مثل "رئيسة اتحاد الطالبات" أو "جامعة نسائية") لأن البيانات التاريخية للشركات الكبرى التي تدربت عليها الآلة لم تكن تحتوي على نساء في مناصب قيادية. وحتى عندما تستخدم النساء أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين نصوصهن المهنية، يُظهر التحليل الاجتماعي غياب التكافؤ؛ فالمرأة التي تظهر بمظهر حازم رقمياً تُصنف خوارزمياً كـ "عدوانية"، بينما يُصنف الرجل كـ "قيادي".
4. العنف الرقمي المسلح: التزييف العميق واغتيال السمعة
لا يقف الحد عند التهميش الاقتصادي أو الثقافي، بل يتحول الذكاء الاصطناعي في أحيان كثيرة إلى سلاح مباشر للعنف القائم على النوع الاجتماعي. تشير إحصاءات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية إلى أن حوالي 99% من ضحايا تقنيات "التزييف العميق" (Deepfakes) والبرمجيات القائمة على توليد الصور الإباحية المفبركة دون موافقة، هن من النساء [Facebook].
يُستخدم هذا العنف الرقمي بشكل ممنهج لاغتيال سمعة الصحفيات، الكاتبات، الناشطات، والسياسيات بهدف إقصائهن من الفضاء العام ودفعهم نحو الصمت والانسحاب. إن سهولة استخدام هذه الأدوات وتوفرها بأسعار زهيدة أعادت إنتاج أدوات الابتزاز الأبوي القديمة، ولكن بقوة تدميرية عابرة للحدود وبسرعة ضوئية.
خاتمة: نحو بيان نسوي ألتكني (Cyberfeminism)
إن مواجهة "أبوية الخوارزميات" لا تعني الدعوة إلى الانعزالية التكنولوجية أو رفض الحداثة، بل تعني خوض معركة المقاومة داخل الأكواد والبيانات نفسها. لا يمكننا قبول آلة تدعي الحياد وهي تنضح بإنتاج التحيزات.
الحل الجذري يتطلب تبني رؤية "نسوية تقاطعية رقمية" تعمل على:
نسونة البيانات: إعادة بناء وهندسة قواعد البيانات لتشمل تجارب النساء، وتاريخهن، وإسهاماتهن المهنية بشكل عادل.
عدالة التمثيل: كسر احتكار الرجال البيض لشركات السيليكون فالي وعملاقة التكنولوجيا، وإشراك النساء والملونين في صناعة القرار البرمجي وتصميم السياسات الأخلاقية للآلة.
التشريعات الصارمة: تجريم العنف الرقمي القائم على الذكاء الاصطناعي واعتباره انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان.
إن الآلة ليست سوى انعكاس لصانعها؛ وإذا أردنا ذكاءً اصطناعياً عادلاً، فعلينا أولاً أن نفكك الأبوية الكامنة في عقول الذين يبرمجونه.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|