الأبوية المبرمجة: تفكيك الانحياز الجندري في عصر التوليد الاصطناعي!



إيمان القحطاني
2026 / 7 / 20

1. المقدمة: مأزق الحياد الرقمي ووهم التحرر السيبراني
عقود طويلة قضتها الحركة النسوية التنويرية في تفكيك البنى الأبوية التقليدية، ومحاربة الأنماط التمييزية المكرسة في القوانين، والخطاب الديني، والمناهج التعليمية. ومع صعود موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بشر التكنوقراط بولادة عالم "محايد" تقوده الخوارزميات المجردة من العواطف والميول البشرية المسبقة. إلا أن هذا الوعي السيبراني الناشئ يصدمنا اليوم بحقيقة معرفية مغايرة: الآلة لا تبتكر مستقبلاً بل تجتر ماضياً بطريركياً. إنها لم تأتِ لتفكيك التمييز، بل ارتدت عباءته القديمة لإعادة تدويره بكفاءة تقنية فائقة، مفرزةً ما يمكن تسميته بـ"الأبوية المبرمجة" التي تتخفى وراء قناع "الموضوعية الرياضية والكود البرمجي".

2. المحور الأول: البيانات كـ "أرشيف بطريركي" مكرس
تتغذى نماذج اللغات الكبيرة (LLMs) ومولدات الصور الذكية على خزان هائل من الداتا الرقمية التراكمية الممتدة عبر تاريخ الإنترنت. هذا الأرشيف يمثل في عمقه بيئة ثقافية مشبعة بالهيمنة الذكورية التاريخية:
انحياز التوليد البصري: عند استدعاء نماذج مثل Midjourney أو DALL-E لتوليد صورة لـ "مدير تنفيذي نفوذ"، أو "عالم فضاء"، تنتج الآلة صوراً لرجال بيض بنسب تتجاوز الـ 90%؛ بينما يربط الذكاء الاصطناعي مهن "الدعم والرعاية والمساعدة" (كالسكرتارية والتمريض) بملامح نسائية خاضعة.
تشويه المعايير الجمالية وتأطير السن: تشير أبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعة تورونتو إلى أن مولدات الصور عندما تُطلب منها صورة "امرأة ناجحة"، فإنها تنتج حصراً نمطاً تشييئياً ضيقاً (شابة، نحيفة، مفرطة في الأنوثة التقليدية)، وتلغي تماماً الوجود البصري للنساء فوق سن الأربعين، في تكريس رقمي فج لـ "صلاحية الجسد الأنثوي" وفق المعيار الذكوري.
الأثر الهيكلي: إن الخوارزمية هنا لا تمارس تفكيراً نقدياً، بل تعيد إنتاج ممارسات الإقصاء السائدة في التاريخ البشري، وتفرضها كمعطيات علمية موضوعية لا تقبل الجدل.

3. المحور الثاني: لغة الآلة وأتمتة الأدوار الرعائية
يتجلى التمييز الأبوي بوضوح في هندسة الواجهات الرقمية والمساعدات الصوتية الافتراضية (مثل Siri وAlexa وغيرها) في نشأتها وتطورها:
الصوت الخاضع والمطيع: تم تصميم هذه الكيانات البرمجية تاريخياً لتبني أصوات نسائية ناعمة تلبي الأوامر بصبر متناهٍ. والأخطر هو برمجتها على الاعتذار بمرونة والتودد حتى عند تعرضها للإساءة اللفظية أو التحرش الجنسي من قِبل المستخدم (مثل رد نظام Siri التاريخي بعبارة "سأتحول إلى حمرة خجل لو كان ذلك مقدوراً" عند شتمه).
تكريس التبعية السيبرانية: هذا الخيار التصميمي الواعي من الشركات الاحتكارية بوادي السيليكون يرسخ في الوعي الجمعي البشري ارتباط الصوت الأنثوي بالتبعية، والخدمة، وتلبية الرغبات، ونقل الأدوار الرعائية التقليدية من المنزل إلى الفضاء السيبراني المعولم.

4. المحور الثالث: العنف الرقمي الفائق والتزييف العميق
لم تعد الأبوية الرقمية مجرد استبعاد في البيانات، بل تحولت إلى سلاح هجومي مباشر يستهدف الوجود الفيزيائي والنفسي للمرأة:
استهداف أجساد النساء: تؤكد بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) أن واحدة من كل أربع مدافعات عن حقوق الإنسان، وناشطات، وصحفيات تعرضن لعنف عبر الإنترنت مدعوم بالذكاء الاصطناعي.
سلاح التزييف العميق (Deepfakes): تُظهر التقارير التقنية الدولية أن أكثر من 90% من فيديوهات التزييف العميق المنتشرة على الإنترنت يتم إنشاؤها لتركيب وجوه النساء والكاتبات والناشطات على أجساد عارية أو مواد إباحية دون موافقتهن. هذا التوظيف الخبيث للآلة يسعى لفرض نوع جديد من "مقاصل الأعراف الرقمية"، بهدف إرهاب المرأة، وتدمير سمعتها الاجتماعية، وقمع قلمها التنويري لدفعها للانسحاب من الفضاء العام السيبراني.

5. المحور الرابع: فجوة التمكين وتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق عمل المرأة
يمتد الانحياز الخوارزمي ليهدد المكتسبات الاقتصادية التي ناضلت النساء طويلاً لتحقيقها:
خوارزميات التوظيف الإقصائية: فضيحة خوارزمية التوظيف الشهيرة لشركة Amazon أثبتت أن النظام الذكي كان يستبعد تلقائياً طلبات التوظيف التي تحتوي على كلمة "نسائي" (مثل: رئيسة نادي نسائي) أو السير الذاتية المتخرجة من كليات الإناث، بناءً على داتا تاريخية ممتدة لعشر سنوات افترضت فيها الآلة أن الرجال أكثر كفاءة واستمرارية في قطاع الهندسة والتقنية.
خسارة الوظائف الهيكلية: تشير دراسات معهد (ماكنزي) للعام الحالي إلى أن النساء أكثر عرضة من الرجال بنحو مرة ونصف للانتقال إلى مهن جديدة أو فقدان وظائفهن بسبب الأتمتة التوليدية، لأن الذكاء الاصطناعي يستهدف أولاً قطاعات الدعم المكتبي، خدمة العملاء، والوظائف الإدارية الوسيطة، وهي التي تشغلها النساء تاريخياً نتيجة التقسيم التقليدي الجائر للعمل.

6. الخاتمة: مانيفستو المقاومة ونحو "عدالة خوارزمية نسوية"
إن مواجهة "الأبوية المعاصرة" في العصر الرقمي لم تعد معركة قوانين وتشريعات مادية فحسب، بل هي معركة حاسمة فوق السطور البرمجية وضمن هندسة المنطق الاصطناعي. إن التحولات الكبرى—بما فيها حراك المرأة السعودية والعربية المعاصر والتمكين الرقمي المعرفي الناشئ—يجب ألا يقف عند حدود الاستهلاك التقني، بل يجب أن يمتد إلى تفكيك آليات إنتاج هذه التكنولوجيا:
تفكيك احتكار القوة التقنية: تتركز البنية التحتية ومراكز اتخاذ القرار للذكاء الاصطناعي اليوم في أيدي قلة من الشركات الرأسمالية والمهندسين الرجال، حيث يغيب عنها المنظور الجندري التنويري تماماً، وهو ما يتطلب تسييس التكنولوجيا ونقدها معرفياً.
مقاومة الكود (Code Resistance): صياغة خطاب نسوي رقمي يطالب بـ"تطهير البيانات" (Data Cleaning) من ترسبات الماضي البطريركي، وإجبار الشركات على الالتزام بالعدالة الخوارزمية الشاملة كمبدأ حقوقي لا يقبل المساومة.
التمكين المعرفي الشامل: إن وعي المرأة بطبيعة هذه الخوارزميات ومشاركتها النشطة في بناء النماذج اللغوية الكبرى هو الضمانة الوحيدة والخطوة التاريخية الأساسية لمنع الآلة من أن تتحول إلى "وكيل تقني مبرمج" يعيد فرض الوصاية والوصم الذكوري القديم في لبوس المستقبل.