|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
منى جداوي
!--a>
2026 / 7 / 22
لا يمكن قراءة مسيرة تمكين المرأة في سياقها المعاصر دون الاصطدام بجدار البنية التقليدية التي ما زالت تحكم مفهوم "المواطنة الهيكلية".
ورغم القفزات التشريعية التي طالت الأهلية المدنية وقوانين الأحوال الشخصية، يظل ملف "أبناء المواطنات السعوديات المتزوجات من غير سعوديين" يمثل المساحة العالقة الأكثر تعبيراً عن انفصام خطابي؛ حيث تُمنح المرأة حق قيادة المركبة وإدارة الشركات والوصول إلى السلك العسكري والدبلوماسي، بينما يُحجب عنها الحق السيادي الأبرز: نقل هويتها الوطنية وانتمائها القانوني إلى أطفالها.
إن هذا المأزق الحقوقي لا يمثل مجرد عقبة بيروقراطية، بل هو تشويه سوسيولوجي لمفهوم المواطنة الكاملة، وإعادة إنتاج مبطنة لتبعية المرأة التاريخية لرحم الرجل.
أولاً: أيديولوجيا "الرحم التابع" والتمييز الهيكلي
تتأسس القوانين المانعة للمرأة من تمرير جنسيتها على فلسفة أبوية عتيقة ترى في الرابطة الوطنية امتداداً للنسب الذكوري وحده.
في هذه العقلية، يُنظر إلى المرأة بوصفها "مستضيفة" للمواطنة وليست مصدراً لها؛ فرجل الدولة الأبوي يمنح الجنسية لأبنائه وزوجته الأجنبية بشكل تلقائي وفوري، ممارساً حقه السيادي كاملاً، في حين تُعامل المواطنة التي ترتبط بأجنبي وكأنها ارتكبت "خروجاً عن النص الاجتماعي"، ليُعاقب رحمها بإنجاب أبناء "أجانب" على أرض عاشت فيها ونمت في طياتها.
هذا التمايز يضرب مبدأ المساواة الدستورية والنظامية في مقتل، ويضع المرأة في مرتبة أدنى من حيث القيمة القانونية للمواطنة، محولاً إياها إلى مواطنة من الدرجة الثانية في بورصة الحقوق السيادية.
ثانياً: مصيدة "المعاملة الخاصة" وبيروقراطية الابتزاز النفسي
تحاول الأجهزة التنفيذية الالتفاف على استحقاق الجنسية الكاملة عبر ابتكار صيغ بديلة مثل "معاملة أبناء السعوديات كالسعوديين" في قطاعات التعليم والصحة والعمل، أو منحهم الإقامة الدائمة دون رسوم.
غير أن التفكيك النقدي لهذه الصيغ يكشف أنها ليست سوى "مسكنات بيروقراطية" تعمق الأزمة ولا تحلها؛ فالأبناء يظلون معلقين في شقوق المعاملات الإجرائية، يلاحقهم شبح "الوافد" في كل استمارة رسمية، ويصطدمون بعقبات لا حصر لها عند محاولة التملك العقاري، أو الحصول على بعثات دراسية، أو ممارسة التجارة بحرية كاملة، وصولاً إلى استبعادهم التلقائي من الوظائف السيادية والحيوية المحصورة على "السعودي بالأصل والمنشأ".
هذه الوضعية تخلق حالة من القلق الوجودي المستمر والابتزاز النفسي المبطن للأم، التي تقضي حياتها وهي تحاول تأمين غطاء إجرائي مؤقت يحمي أطفالها من الترحيل أو العزل الاقتصادي بعد وفاتها.
ثالثاً: الفجوة بين الطموح التنموي والامتثال البنيوي
المفارقة الصارخة تكمن في التناقض بين التوجهات التنموية الحديثة للدولة التي تدعو إلى استثمار رأس المال البشري ودمج النساء في الدورة الاقتصادية والإنتاجية، وبين تعطيل طاقات آلاف الشباب والشابات من أبناء السعوديات الذين نشأوا وثُقفوا بولاء كامل لهذه الأرض، ليتفاجؤوا بأن المنظومة الإجرائية تلفظهم وتصنفهم كعمالة وافدة في سوق العمل.
إن تعطيل ملف التدوين الإلزامي للجنسية لأبناء المواطنة هو رضوخ غير معلن للموروث العرفي الذي يخشى من "اختلاط الأنساب الوطنية" أو "تغيير الديموغرافيا"، وهي هواجس وهمية تُستخدم لحجب الحقوق المشروعة، وإبقاء سلطة القرار الأسري والوطني معقودة بالرجل دون سواه.
رابعاً: نحو تفكيك العقدة واكتمال السيادة النسوية
إن الخروج من هذه الشرنقة البيروقراطية يتطلب شجاعة تشريعية تنقل الملف من الاستثناءات والمنح الحكومية المشروطة بنقاط وعمر معين، إلى مربع "الحق الدستوري المطلق".
لا يمكن الحديث عن مساواة حقيقية أو تمكين بنيوي ما لم يتم تعديل نظام الجنسية لتتساوى فيه المواطنة مع المواطن في منح الهوية الوطنية دون قيد أو شرط.
إن حسم هذا الملف هو المحك الحقيقي لجدية التحديث؛ فالأمان الأسري والاستقرار النفسي للمرأة السعودية لن يكتمل ما دامت قوانين الدولة تعامل أطفالها كضيوف عابرين، وما دام رحمها محاصراً بتشريعات ترى في جنسية الأم حقاً قاصراً يعجز عن العبور إلى أجيالها القادمة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|