|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
منى جداوي
!--a>
2026 / 7 / 23
يرتفع منسوب الحديث عن دخول المرأة السعودية لسوق المحاماة ومشاركتها في صياغة العقود التجارية والاستشارات العمالية، لكن قراءة نسوية نقدية لواقع المهنة تكشف عن "جدار زجاجي" سميك يمنع المحاميات من اختراق أحد أكثر الحقول حساسية وأهمية: القانون الجنائي.
إن غياب، أو بالأحرى تغييب، المحاميات المتخصصات في الجرائم الجنائية (كالعنف الأسري، الاعتداءات، والقتل) لا يمثل مجرد حرمان مهني للنخب النسائية القانونية، بل هو ثغرة بنيوية تخل بميزان العدالة الجنائية وتترك الضحايا من النساء في مواجهة منظومة دفاع وتحقيق ذات عقيدة ذكورية أحادية.
أولاً: كسر حاجز "الصمت الصادم" وبناء الثقة الإجرائية
تفتقر قضايا العنف الجنائي والاعتداءات القائمة على النوع الاجتماعي إلى ما يُعرف بـ "الأمان الاتصالي" أثناء إعداد دفوع الدفاع. الضحية التي تعرضت لانتهاك جسدي أو جنسي عنيف تجد صعوبة سيكولوجية هائلة في سرد التفاصيل الحميمة والدقيقة للجريمة أمام محامٍ رجل، مدفوعةً بإرث طويل من الخوف من الأحكام الأخلاقية أو النظرة الدونية. هذا التمنع الاضطراري عن كشف كامل الحقائق يؤدي إلى صياغة لوائح اعتراضية ودفاعية قاصرة ومبتورة، في حين أن وجود محامية جنائية متخصصة يوفر بيئة تضامنية آمنة تتيح استخراج الأدلة الجنائية والملابسات النفسية كاملة لتقديمها للقضاء.
ثانياً: مواجهة "التحيزات الجندرية الكامنة" في لوائح الدفاع
يتأثر تكييف القضايا الجنائية وصياغة المذكرات بالخلفية الثقافية والاجتماعية للمحامي. في كثير من الأحيان، يميل المحامون الرجال -وعن غير وعي أحياناً- إلى تبني سرديات تخفيفية تخضع للموروث العرفي، مثل التركيز على "استفزاز الضحية" أو تبرير عنف الجاني بدواعي "التأديب والأبوة". غياب المحاميات الجنائيات يحرم المنظومة من منظور قانوني تفكيكي قادر على صياغة دفوع ترتكز على مواثيق حقوق الإنسان، وتسمية الجرائم بمسمياتها الحقيقية دون مواربة أو مجاملة للبنية العشائرية السائدة.
ثالثاً: عقم التأهيل وحصار المحاميات في "غيتو" الأحوال الشخصية
تواجه المحاميات السعوديات ضغوطاً مؤسسية واجتماعية غير مكتوبة لتوجههن حصراً نحو قضايا الأحوال الشخصية (الطلاق، النفقة، الحضانة) أو القانون التجاري، بدعوى أن القضايا الجنائية "خشنة" أو "لا تليق بطبيعة المرأة". هذا الفصل التعسفي يعيد إنتاج تقسيم العمل الجندري التقليدي داخل المؤسسة القانونية؛ حيث يُنظر للمرأة كراعية للشؤون الأسرية فقط، ويُحظر عليها دخول أروقة النيابة العامة، أقسام الشرطة، والمحاكم الجزائية المتخصصة كمدافعة أصيلة، مما يمنع تراكم الخبرة الجنائية لدى الكوادر النسائية ويحرم السلك القضائي من التعددية الفكرية.
رابعاً: غياب "النموذج الملهم" وتأبيد احتكار الرجال للمنصة الجنائية
إن استمرار احتكار الرجال لمنصات الدفاع في المحاكم الجنائية يرسخ انطباعاً عاماً لدى الضحايا والجمهور بأن القانون الجزائي وسلطة العقاب هي شأن ذكوري بامتياز. هذا الغياب للرمزية النسائية القوية داخل قاعات الجنايات يضعف من عزيمة النساء المعنفات في ملاحقة الجناة قضائياً، لشعورهن بالاستفراد داخل بيئة ذكورية مغلقة (محقق، قاضٍ، محامٍ). إن وجود المحامية الجنائية في صدارة المشهد يمثل رسالة قوة وندّية تقلب موازين القوى الرمزية داخل المحكمة.
خاتمة :
إن إصلاح المنظومة العدلية السعودية لا يمكن أن يقف عند عتبة السماح للمرأة بحمل رخصة المحاماة، بل بتهيئة الأرضية التشريعية والمهنية لتمكينها من قيادة دفة الدفاع في أعتى القضايا الجنائية. إن حماية النساء من العنف ستبقى منقوصة ومبتورة ما لم تكن هناك "حارسات للقانون" متسلحات بالخبرة الجزائية الصارمة، وقادرات على تفكيك بنية الجريمة داخل المحاكم. العدالة الجنائية ليست مجرد نصوص جامدة، بل هي روح المنظومة التي تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى المشرّطة والمدافعة النسوية الجنائية لإعادة التوازن المفقود.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|