|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
منى جداوي
!--a>
2026 / 7 / 25
في غمرة الحديث المتصاعد عن الأرقام القياسية والمؤشرات الدولية التي توثق التمكين الاقتصادي للمرأة، ودخولها الكثيف في شتى قطاعات سوق العمل كعاملة، ومستثمرة، وصاحبة قرار، يظل هناك سؤال بنيوي معلق في فضاء العدالة الناجزة:
مَن يحمي هذه المكتسبات عندما تتحول إلى نزاع قضائي؟
إن التمكين التشريعي والاقتصادي لا يمكن أن يحقق غايته القصوى ما لم تتوازَ معه منظومة عدلية تعكس هذا التنوع في هياكلها الحيوية.
ورغم الخطوات التحديثية، إلا أننا ما زلنا نلاحظ غياباً شبه كلي للمرأة التشريعية والخبيرات المتخصصات في أروقة المحاكم العمالية والتجارية، ولجان الفصل في النزاعات الاقتصادية، وكأننا أمام مفارقة عجيبة:
المرأة شريكة في إنتاج الثروة وبناء الاقتصاد، لكنها "غائبة" أو "مغيبة" كحَكَم وخبير يفصل في تعقيداتها!
معضلة "الخبرة القضائية" وحصر المرأة في الأحوال الشخصية
لقد جرى العرف المؤسسي والاجتماعي على حصر التواجد النسائي القانوني (حين يسمح به) في قضايا الأحوال الشخصية (الطلاق، النفقة، الحضانة)، انطلاقاً من رؤية نمطية ترى أن المرأة أقرب لطبيعة النزاعات الأسرية. هذه المقاربة الاختزالية تغفل أن المنظومة القضائية التجارية تعتمد بشكل جوهري على ما يُعرف بـ "جدول الخبراء والمصفين والمثمنين".
عندما تقع الشريكة التجارية أو المستثمرة في نزاع مالي معقد، فإن القضية تُحال في الغالب إلى مكاتب محاسبة أو خبراء تصفية من الرجال. هذا الاحتكار الذكوري للخبرة الفنية القضائية يخلق بيئة تقاضٍ تفتقر إلى "المنظور النوعي" (Gender Perspective)، لاسيما وأن بيئات الأعمال النسائية الناشئة قد تحمل خصوصيات وتحديات واجهتها النساء في التأسيس، والتمويل، والتعامل مع البنى التقليدية للسوق، وهي تفاصيل دقيقة تحتاج إلى خبيرات يمتلكن القدرة على تفكيكها وتقديم تقارير قضائية منصفة لا تغفل الواقع الحقيقي للمستثمرة.
المحاكم العمالية.. أين الحَكَم النسائي من انتهاكات بيئة العمل؟
تتجلى الأزمة بشكل أكثر عمقاً في المحاكم واللجان العمالية. إن قضايا الفصل التعسفي، والتمييز في الأجور، وحرمان الأمهات العاملات من حقوقهن التشريعية، أو التعرض لبيئات عمل طاردة ومضايقات غير مباشرة، ليست مجرد نصوص قانونية جافة. إنها قضايا مغلفة بظروف اجتماعية ونفسية شديدة الحساسية.
عندما تقف العاملة أو الموظفة أمام لجنة عمالية أو قاضٍ (رجل) بمفردها، فإن غياب الخبيرة أو المفتشة العمالية المتخصصة في صياغة تقرير الحالة، يضعف من قدرة المنظومة على استيعاب "الاضطهاد الهيكلي" الذي قد تتعرض له المرأة في بيئة العمل. المحكم الرجل، مهما بلغت نزاهته، قد لا يدرك الثقل النفسي والإجرائي للتمييز المبني على النوع الاجتماعي بنفس العمق الذي تدركه تشريعية متخصصة عاشت وفهمت ديناميكيات السوق وتحدياته النسائية. إن غياب الخبيرات هنا يحول العدالة العمالية إلى مسار تقاضٍ منقوص الفهم والإنصاف.
نحو عدالة نوعية شاملة
إن الاستمرار في تغييب الخبيرات والتشريعيات عن المحاكم التجارية والعمالية يضعف من موثوقية البيئة الاستثمارية والعمالية التي نطمح لبنائها. لا يمكن الاستمرار في معاملة النساء كـ "قاضيات ظل" أو حصر وجودهن في هوامش المنظومة القضائية.
لقد حان الوقت لخطوات إجرائية حاسمة تشمل:
تحديث جداول الخبراء والمصفين في وزارة العدل والمحاكم التجارية لفرض كوتا نسائية مؤهلة من المحاسبات القانونيات والمستشارات الماليات.
دمج حقيقي للمرأة في اللجان العمالية وهيئات تسوية الخلافات، لضمان وجود رؤية حقوقية نسائية تفصل في نزاعات بيئات العمل المتغيرة.
كسر الصورة النمطية والبدء الفعلي في تعيين قاضيات متخصصات في الدوائر التجارية والعمالية، وليس فقط في قضايا الأسرة.
العدالة ليست مجرد نصوص تُكتب في الدساتير والأنظمة، بل هي ممارسة وتطبيق متوازن، والتمكين الاقتصادي بلا حماية قضائية نوعية وشاملة، سيبقى دائماً مكتسباً مهدداً بالارتهان لمنظومة تفكر بعين واحدة.
#منى_جداوي#الحوار_المتمدن#التمكين_الاقتصادي_للمرأة
#المرأة_والقضاء #المحاكم_العمالية#المحاكم_التجارية
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|