إرهاب السمعة: كيف يُحاصر العرف المرأة رقمياً؟



منى جداوي
2026 / 7 / 25

بينما تقطع القوانين الحديثة أشواطاً جبارة في نزع مخالب الوصاية التقليدية وإعادة هندسة الأهلية القانونية للمرأة، يبدو أن النظام الأبوي قد وجد خندقه البديل في فضاءات الشاشات والمنصات الرقمية.
لقد انتقلت معركة الحصار من جدران البيوت والدهاليز العرفية إلى الفضاء الافتراضي، لينشأ مشهد ارتدادي منظم يُمارس ابتزاز النساء وتصفية الحسابات معهن تحت مقصلة واحدة لا ترحم: "السمعة الرقمية".
إن السخونة الحقيقية في هذا الملف لا تكمن في الحوادث الفردية للابتزاز، بل في تحوّل الفضاء الافتراضي إلى "محاكم تفتيش علنية" تدار بعقليات ذكورية بدائية.
تُستغل التقنيات الحديثة، من فبركة الصور العميقة إلى تسريب المحادثات الخاصة واجتزاء المقاطع، لخلق سياق ترهيبي يهدف إلى كبح جماح استقلالية المرأة.
الرسالة المبطنة التي توجّهها هذه المليشيات الرقمية لكل امرأة تحاول ممارسة حقوقها القانونية في العمل، أو السفر، أو التعبير عن الرأي، هي: "إن تمردتِ على قالب الطاعة، فإن كبسولة واحدة على منصة افتراضية كفيلة بسحق تاريخكِ الاجتماعي".
المفارقة المؤلمة تكمن في الفجوة بين حزم نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، وبين الوعي الجمعي الذي ما زال يتواطأ مع الجاني ويدين الضحية.
عندما تقع المرأة في مصيدة الابتزاز أو التشهير الرقمي، فإن أول ما تفقده ليس الأمان القانوني، بل الأمان الأسري والعشائري.
يتحول "الخوف من الفضيحة" إلى جدار عازل يمنع الضحايا من اللجوء إلى الجهات الأمنية لتفعيل نصوص النظام الصارمة.
إن العرف الاجتماعي هنا يعمل كمحرض موازي؛ يعاقب الضحية بالنبذ أو الحبس المنزلي، بينما يمنح الجاني الافتراضي شعوراً بالانتصار والبطولة الأخلاقية الزائفة.
إن هذا الترهيب الرقمي الممنهج ليس مجرد سلوك طفيلي، بل هو أداة اجتماعية لتعطيل قاطرة التمكين، ومحاولة بائسة لإعادة إنتاج "الولاية العرفية" بشكل معولم وحديث.
عندما تخشى القانونية، أو الكاتبة، أو الطبيبة، أو الموظفة من خوض معاركها المهنية بسبب شبح "التشويه الرقمي"، فإننا نكون أمام إرهاب فكري يعيد النساء خطوتين إلى الوراء خلف شاشات الخوف.
لقد آن الأوان ليتجاوز التعاطي مع الجرائم الرقمية ضد النساء خانة "الجنح الأخلاقية" أو "الخلافات الشخصية".

إن الابتزاز والتشهير الإلكتروني الموجه ضد المرأة بناءً على جنسها ودورها المجتمعي يجب أن يُصنف قانونياً كـ "جرائم إرهاب اجتماعي" تهدد السلم المدني واستدامة الإصلاحات.

لن يكتمل بريق التحديث ما لم تُضرب هذه المعاقل الرقمية المظلمة بيد من حديد، وما لم يتعلم المجتمع أن شرف المرأة ليس ورقة تلعب بها خوارزميات المبتزين، بل هو جزء من سيادة القانون التي لا تقبل المساس.