فخ -التمكين المالي- والفجوة الرعائية: استنزاف المرأة بين الإنتاجية الاقتصادية والعبء المنزلي



منى جداوي
2026 / 7 / 26

انتقلت نقاشات حقوق المرأة السعودية في السنوات الأخيرة من مربع المطالبة بالحقوق المدنية الأساسية والسيادة القانونية الشخصية، إلى مربع الانخراط الكامل في الدورة الاقتصادية وسوق العمل.
ومع صعود مؤشرات مشاركة النساء في الإنتاج، يبرز وجه آخر ومسكوت عنه لهذا التحديث المتسارع؛ وهو فخ "التمكين المالي" الذي وضع المرأة في مواجهة مباشرة مع فجوة رعائية عميقة، مستنزفاً ذاتها الإنسانية بين متطلبات الإنتاجية الرأسمالية الحديثة ووطأة الأعباء المنزلية التقليدية.
إن جوهر الأزمة الراهنة يكمن في "العبء المزدوج" (The Double Burden).
ففي الوقت الذي تدفع فيه التشريعات بالمرأة لتكون شريكاً اقتصادياً مكافئاً للرجل في ساعات العمل وتحقيق المستهدفات، يلوذ المشرّع والعُرف الاجتماعي بالصمت إزاء تقسيم العمل المنزلي.
تُطالب المرأة المعاصرة اليوم بأن تحقق ذاتها المهنية وتجني دخلها الخاص، وفي الوقت ذاته، يُطلب منها مجتمعياً ألا تتنازل عن دورها التقليدي كأم وزوجة ومدبرة حصرية للمنزل، مما يحوّل التمكين من أداة تحرر إلى أداة لإنهاك جسدي ونفسي مضاعف.
تتجلى هذه الفجوة الرعائية (Care Gap) بوضوح في غياب التشريعات الملزمة لبيئة العمل المساندة؛ فالقوانين الحالية التي تحفز توظيف النساء لا تفرض بالمقابل مساحات رعاية وحضانات مؤسسية مجانية وإلزامية في كافة القطاعات.
يضع هذا القصور الأم العاملة أمام خيارين أحلاهما مر: إما استنزاف دخلها المالي لصالح الحضانات الخاصة والعمالة المنزلية، أو تحمل ضغط التشتت الدائم، وهو ما يعيق فرص ترقيها الوظيفي بالمقارنة مع الرجل الذي يتخفف تماماً من هذه الالتزامات البيولوجية والاجتماعية.
علاوة على ذلك، يبرز شكل مستحدث من "الولاية المالية غير المباشرة"؛ فبعد إسقاط الولاية القانونية، يمارس المجتمع ضغوطاً عرفية وعاطفية على المرأة لإجبارها على تحمل المصاريف الرئيسية للمعيشة وتغطية الفواتير الأسرية تحت شعار "المشاركة والمواكبة".
المفارقة هنا أن هذا العبء المالي الإضافي لا يمنح المرأة في كثير من الأحيان حق الولاية الفعلية أو الشراكة الحقيقية في صناعة القرار داخل الأسرة، بل يتم استهلاك راتبها مع الإبقاء على سلطة القرار والوصاية في يد الرجل.
إن تكريس فكرة أن رعاية الأطفال والجيل القادم هي مسؤولية حصرية للمرأة يتعمق بغياب سياسات "إجازات الأبوة الممتدة والمشتركة" (Paternity Leave) في نظام العمل.
هذا الغياب التشريعي يعيد إنتاج الفكر الأبوي الذي يرى في رعاية الكيان الأسري شأناً نسوياً بحتاً، بدلاً من كونه مسؤولية تضامنية بين الشريكين.
خلاصة القول، إن التمكين المالي الذي لا تحميه بنية تحتية تشريعية ورعائية، ولا يصاحبه هدم للمفاهيم الجندرية التقليدية حول أدوار الجنسين، ليس إلا شكلاً من أشكال "السلعنة والإنهاك".
إن جودة حياة المرأة السعودية وحقها في الاستقرار النفسي يتطلبان تجاوز الأرقام الصماء للمشاركة الاقتصادية، نحو صياغة عقود اجتماعية وقانونية جديدة تضمن العدالة داخل المنزل وخارجه، ولا تجعل من استقلال المرأة المالي مقبرة لسلامتها الإنسانية.