|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
إكرام فكري
!--a>
2026 / 7 / 26
ليس جديداً أن يستغل بعض البشر أجسادهم أو علاقاتهم لتحقيق مكاسب مادية. فهذه الظاهرة رافقت التاريخ بأشكال مختلفة، وكانت غالباً مرتبطة بالفقر المدقع، والحروب، والتهميش، وغياب فرص العيش الكريم. لم تكن تُقدَّم على أنها نموذج يُحتذى، بل كانت تُنظر إليها بوصفها نتيجة مأساوية لظروف قاسية دفعت أصحابها إلى خيارات لم يختاروها بحرية كاملة.
لكن ما يثير الانتباه اليوم ليس وجود هذه الظاهرة، بل التحول الذي أصاب نظرة المجتمع إليها.
في الماضي، كانت مثل هذه الممارسات تبقى في الهامش، بعيدة عن الواجهة الاجتماعية. أما اليوم، فقد منحتها وسائل التواصل الاجتماعي مساحة غير مسبوقة للظهور، حتى أصبح بعض المحتوى يقدم الحصول على المال أو الهدايا أو نمط الحياة الفاخر عبر العلاقات الشخصية و كأنه دليل على الذكاء، أو “الأنوثة”، أو القدرة على التأثير.
وهنا يكمن الفرق الجوهري.
لم يعد النقاش يدور حول امرأة فقيرة تحاول النجاة، بل حول ثقافة كاملة بدأت تساوي بين القيمة الإنسانية وبين مقدار ما يستطيع الآخرون إنفاقه عليها.
تفتح منصات التواصل الاجتماعي فنجد صور الفنادق الفاخرة، والحقائب باهظة الثمن، والسيارات، والعشاء في المطاعم الراقية، والسفر المستمر. في كثير من الأحيان لا يظهر الطريق الذي أوصل إلى هذه الحياة، بل تظهر النتيجة فقط. ومع تكرار هذا المشهد، يبدأ بعض الناس، خصوصاً صغار السن، بربط النجاح بهذه الصورة.
فتصبح الرسالة غير المعلنة:
“إذا استطعتِ أن تجعلي رجلاً ينفق عليكِ كثيراً، فأنتِ ناجحة.”
وهذه رسالة خطيرة.
لأنها تنقل مفهوم النجاح من الإنجاز الشخصي إلى القدرة على استخراج الموارد من الآخرين، ومن بناء الذات إلى تسويق الذات، ومن احترام الإنسان لعمله إلى تقييمه بقدر ما يحصل عليه دون إنتاج حقيقي.
والأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يضر النساء وحدهن، بل يضر الرجال أيضاً.
فعندما تتحول العلاقة الإنسانية إلى معادلة مادية، يصبح الرجل مجرد مصدر للإنفاق، وتصبح المرأة مجرد صورة أو سلعة للتسويق. يخسر الطرفان إنسانيتهما، وتتحول العلاقة من شراكة إلى صفقة، ومن مودة إلى تبادل مصالح.
لا يمكن أيضاً إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تضخيم هذا النموذج. فالخوارزميات تكافئ المحتوى الذي يثير الانتباه، وليس بالضرورة المحتوى الذي يعكس الواقع. لذلك تبدو حياة الاستعراض أكثر انتشاراً مما هي عليه في الحقيقة، لأن الناس يعرضون اللحظات اللامعة ويخفون الثمن الذي دفعوه، سواء كان ثمناً نفسياً، أو أخلاقياً، أو اجتماعياً.
وهنا تبدأ المقارنة القاتلة.
فتاة تدرس سنوات طويلة، تعمل بجد، وتبني مستقبلها خطوة بخطوة، قد ترى شخصاً آخر يجني شهرة وأموالاً وهدايا بسرعة هائلة، فتشعر أن الطريق الطويل أصبح بلا قيمة. ليس لأن العمل فقد قيمته، بل لأن الصورة السريعة أصبحت أكثر جاذبية من الحقيقة البطيئة.
وهذا ما يمكن تسميته بأزمة المعايير.
حين يصبح الجهد أقل بريقاً من الاستعراض، والعمل أقل جاذبية من المظاهر، والإنجاز الحقيقي أقل انتشاراً من المحتوى المثير، فإن المجتمع يبدأ تدريجياً في إعادة تعريف النجاح بطريقة مشوهة.
لكن الحقيقة تبقى مختلفة.
الهدايا ليست إنجازاً بحد ذاتها، والمال الذي يأتي من الآخرين ليس دليلاً على الكفاءة، والقدرة على جذب الانتباه ليست دليلاً على بناء شخصية قوية. قد تمنح هذه الأشياء شعوراً مؤقتاً بالتفوق، لكنها لا تصنع استقلالاً حقيقياً، ولا معرفة، ولا مهارة، ولا احتراماً دائماً.
القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بعدد الهدايا التي تلقاها، ولا بعدد الصور التي نشرها، ولا بالمكان الذي تناول فيه العشاء، وإنما بما يستطيع أن يقدمه للعالم، وبما بناه بنفسه، وبقدرته على الوقوف مستقلاً دون أن تكون حياته مرهونة بإعجاب الآخرين أو إنفاقهم.
ومن المهم أيضاً ألا نعمم أو نحكم على الناس من خلال صورهم على الإنترنت. فليس كل من تنشر صوراً جميلة أو تتلقى هدايا تعيش هذا النمط من العلاقات، كما أن كثيراً من النساء والرجال يعملون بجد ويحققون نجاحهم باستقلالية. المشكلة ليست في الهدايا أو الرفاهية بحد ذاتها، بل في تحويل الاعتماد على الآخرين إلى معيار للتفوق، أو في تقديمه للشباب على أنه الطريق الطبيعي للنجاح.
إن المجتمعات التي تتقدم هي المجتمعات التي تكرم العلم، والعمل، والإبداع، والنزاهة، والاجتهاد. أما حين يصبح المظهر أهم من الجوهر، والاستهلاك أهم من الإنتاج، والاستعراض أهم من البناء، فإن البوصلة الأخلاقية تبدأ في الاهتزاز.
ربما لم يتغير الإنسان كثيراً عبر التاريخ، لكن الذي تغير هو أن ما كان يُخفى أصبح يُعرض، وما كان يثير الشفقة عند كثيرين أصبح يثير الإعجاب عند بعضهم، وما كان استثناءً في الهامش أصبح يبدو – بسبب قوة الإعلام ووسائل التواصل – وكأنه القاعدة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي لكل إنسان أن يطرحه على نفسه:
أيُّ نجاح أريد أن أحققه؟
نجاحٌ يصنعه إعجاب الناس لساعات، أم نجاحٌ يبقى حتى عندما تنطفئ الشاشات، ويزول التصفيق، ولا يبقى إلا الإنسان وما بناه بجهده وقيمه ؟
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|