رواية يوميات تايوان تحصد بوكر الدولية



كاظم حسن سعيد
2026 / 7 / 26

"يوميات تايوان".. طعام المستعمر ووفاء التوأم في بوكر الدولية 2026
​سجّلت جائزة بوكر الدولية لعام 2026 لحظة فارقة في تاريخ الأدب المترجم؛ إذ ذهبت الجائزة رفيعة المستوى إلى رواية "يوميات تايوان" (Taiwan Travelogue) للكاتبة التايوانية يانغ شوانغ-تسي والمترجمة لين كينغ، ليكون هذا الفوز التاريخي الأول لعمل مترجم عن اللغة الصينية المندرينية. أُعلن هذا الاستحقاق في قاعة "تيت مودرن" بـ لندن، ليحتفي بنصٍّ يزاوج بحرفية عالية بين النقد التاريخي الحاد والسرد الإنساني الشفيف.
​تعتمد الرواية حيلة سردية ذكية؛ إذ تتخفى في هيئة "مذكرات سفر" خيالية لروائية يابانية تزور تايوان خلال ثلاثينيات القرن الماضي تحت حكم الاحتلال الياباني. ومن خلال رحلات استكشاف المطبخ المحلي والتقاليد مع مترجمتها التايوانية، تُحيل الكاتبة مائدة الطعام إلى مسرح لتفكيك أسئلة الهوية، ولغة المستعمر والمُستعمَر، وحدود الترجمة بوصفها مجازاً للسلطة والتواصل. وقد أثنت لجنة التحكيم على النص لكونه يجمع بسلاسة بين الإمتاع العاطفي والقراءة الما بعد استعمارية العميق.
​وراء هذا النص الباذخ تقف سيرة إنسانية لا تقل تعقيداً عن عوالم الرواية. وُلدت الكاتبة (واسمها الحقيقي يانغ رو-تسي) عام 1984 في مدينة تايتشونغ وسط ظروف أسرية قاسية، واضطرت برفقة شقيقتها التوأم "رو-هوي" للعمل في سن الخامسة عشرة والدراسة في المدارس الليلية لتأمين القوت. غير أن هذا الشقاء أثمر مشروعاً أدبيّاً مشتركاً؛ إذ اتفقت الشقيقتان على الكتابة باسم مستعار واحد هو "شوانغ-تسي" (ويعني باليابانية: التوأم)، بحيث تتولى الأولى السرد والثانية البحث التاريخي والترجمة، لإعادة قراءة تاريخ تايوان والعلاقات النسائية بعين جديدة.
​ورغم رحيل الشقيقة مبكراً بمرض السرطان عام 2015، أصرّت الكاتبة على المضي قدماً بالحلم والاحتفاظ بالاسم المستعار المشترك، لتظل روح توأمها حاضرة في كل أثر تتركه على الورق. وتتجلى هذه خلفية الكاتبة الأكاديمية (الحاصلة على الماجستير في الأدب التايواني) في دقة نقبها الأرشيفي حول فترة السيطرة اليابانية (1895–1945)، وتفكيكها المضمر لعلاقات التضامن النسائي بعيداً عن أطر النظرة المركزية.
​تتبدى هذه الرؤية بجلاء في اقتباسات الرواية؛ فعلى المائدة تعلن الكاتبة أنه «لا يوجد شيء اسمه وجبة محايدة في أرض مُستعمرة؛ كل قشرة تُقشر، وكل طبق يُقدّم، هو خط فاصل بين من يملك الحق في أن يَصف، ومن يُكتفى بأكله». وعن مغالبة اللغة والتحدث بلسان المستعمر، تلاحظ البطلة في مترجمتها طلاقة يابانية معجزة لكنها «تشبه ارتداء حذاء أضيق من المقاس بأرضية صلبة؛ كانت الكلمات صحيحة تماماً، لكن المشية لم تكن طبيعية أبداً».
​يمتد هذا التوتر الثقافي إلى التأمل في جغرافيا المكان، حيث يغدو السفر في بلد يملكه الوطن الأصلي مشابهاً «للنظر إلى الجمال من خلال نافذة زجاجية سميكة؛ ترى كل شيء بوضوح، لكنك لا تشعر بالهواء الذي يحرّك الأشجار». ومع ذلك، تتسلل اللحظات الإنسانية عبر صخب المآدب الرسمية، لتكون «الثواني التي تتلاقى فيها الأعين عبر الطاولة دون أن يترجمها أحد» هي المساحة الوحيدة للفهم الحقيقي، في جزيرة تُشبه «طبقاً سُكبت عليه توابل متعددة عبر العقود؛ لا تعرف أين ينتهي طعم الأصل وأين يبدأ طعم الدخيل، لكنك تعرف يقيناً أن الطبق أصبح شيئاً مختلفاً كلياً».
​تُثبت "يوميات تايوان" أن أدب الطعام ورحلات السفر يمكنهما أن يتحولا، بفضل بصرية روائية نافذة ووفاء إنساني نادر، إلى وثيقة تفكك جراح التاريخ وتصوغ بلاغة استثنائية للهوية والذاكرة.