المواطنة الناقصة: عبء الهوية وتحديات الاستقرار لأبناء التشريعات الأسرية



نورا البدر
2026 / 7 / 28

حققت المملكة العربية السعودية قفزات تاريخية في ملف تمكين المرأة ومنحها أهليتها القانونية والمدنية الكاملة في البيئة والعمل والاستثمار والسفر. ومع ذلك، لا يزال المتابع للمشهد الحقوقي يلمس مساحة رمادية تؤرق آلاف الأسر السعودية، وتحديداً في ملف "أبناء المواطنات" المتزوجات من غير سعوديين. إنها المساحة التي تتصادم فيها الأهلية الوطنية للمرأة مع القيود الإجرائية، مما يضع أفراداً وُلدوا ونشأوا على هذه الأرض في دوامة البحث عن استقرار مدني مستدام.
تتجلى الإشكالية الأساسية في التباين النظامي الواضح بين حق الرجل وحق المرأة في نقل المواطنة؛ فالرجل السعودي يمنح جنسيته لأبنائه بشكل تلقائي ومباشر فور الولادة بغض النظر عن جنسية الأم، بينما تواجه الأم السعودية شروطاً معقدة ونظام نقاط إجرائي طويل ومعقد لمنح جنسيتها لأبنائها. هذا التمييز التشريعي يضع الأم في موقف العاجز عن تأمين الأمان القانوني والوطني لأطفالها، رغم أنها شريكة كاملة في بناء الوطن ومواطنة تتمتع بالحقوق والواجبات نفسها.
ورغم أن الدولة قدمت تسهيلات وإصلاحات هامة خلال السنوات الأخيرة—مثل معاملة أبناء المواطنات كالسعوديين في التعليم والصحة، وإعفائهم من رسوم الإقامة، واحتسابهم في نسب التوطين (نطاقات)—إلا أن هذه التسهيلات تظل حلولاً "رعائية مؤقتة" لا ترقى إلى مرتبة الحق المدني الأصيل. فالابن يظل مرتبطاً بوجود أمه، ويواجه تحديات حقيقية بعد وفاتها أو عند رغبته في تملك العقار، أو الالتحاق ببعض الوظائف السيادية الحساسة، أو الشعور بالانتماء القانوني الكامل للمجتمع الذي لا يعرف وطناً سواه.
إن البعد الإنساني والاجتماعي لهذا الملف يتجاوز مجرد الأوراق الرسمية؛ فهو يمس صميم الاستقرار النفسي والأسري. فالأبناء الذين يتحدثون بلهجة الأرض، ويحملون ثقافتها، ويدينون لها بالولاء، يجدون أنفسهم في مواجهة حواجز نظامية تُشعرهم بأنهم "وافدون" في بلد أمهاتهم. هذا الوضع يشكل ضغطاً مستمراً على الأم السعودية التي تقضي حياتها قلقة على مستقبل أبنائها القانوني والمهني بعد رحيلها.
ومن هنا، ولمعالجة هذه الفجوة بما يتوافق مع الرؤية التنموية الشاملة للمملكة، يبرز مقترح تشريعي محدد يتمثل في: "تعديل نظام الجنسية السعودية ليعتمد مبدأ (حق الدم من جهة الأم) مساوياً بحق الدم من جهة الأب، بحيث يُمنح الجنسية السعودية التلقائية والمباشرة لكل طفل يولد لأم سعودية، فور تسجيل واقعة الولادة. وفي مرحلة انتقالية، يمكن إقرار آلية إلكترونية فورية عبر منصة (أبشر) تتيح للأم السعودية إصدار الهوية الوطنية لأبنائها القصر دون شروط معقدة، وتحويل إقامات الأبناء البالغين إلى (مواطنة كاملة) بمجرد بلوغهم سن الثامنة عشرة، لضمان استقرارهم المهني والمدني".
ختاماً، إن اكتمال منظومة حقوق المرأة السعودية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على توريث أمانها الوطني لأبنائها. إن منح أبناء المواطنات حقهم الطبيعي في الجنسية ليس مجرد مطلب حقوقي، بل هو استثمار في كفاءات بشرية ولدت وانتمت لهذه الأرض، وحماية للنسيج الاجتماعي الأسري. لقد أثبتت المملكة شجاعتها في تفكيك الكثير من القوانين القديمة، وحان الوقت لغلق هذا الملف لضمان مواطنة كاملة وغير مجتزأة لجميع أبناء وبنات الوطن.