|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
منى جداوي
!--a>
2026 / 7 / 28
شهدت المنظومة التشريعية في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة ثورة حقيقية في مفهوم "الأهلية القانونية" للمرأة.
فقد أثبتت الأنظمة الحديثة كفاءة المرأة وحقها الكامل في إدارة حياتها وشؤونها المدنية؛ فباتت تسافر وتتنقل بحرية، وتدير استثماراتها وتؤسس شركاتها دون حاجة لموافقة أحد، وتتولى أرفع المناصب القيادية والدبلوماسية بناءً على كفاءتها.
ومع ذلك، يقف المتابع للمشهد الحقوقي والأسري أمام مفارقة تشريعية واضحة تظهر جلياً عند عتبة الزواج، حيث يتوقف ذلك الاعتراف الكامل بالأهلية ليعود مفهوم "الولاية" كشرط إلزامي في نظام الأحوال الشخصية.
تتجلى هذه المفارقة في تفاصيل الحياة اليومية للمرأة؛ فالطبيبة التي تقود عمليات جراحية معقدة، والمحامية التي تدافع عن حقوق الشركات أمام المحاكم، والقيادية التي تدير ميزانيات ضخمة، تُعامل جميعاً بنص النظام كقاصرات في قرارهن المصيري بالزواج.
إذ لا تزال المرأة، بغض النظر عن عمرها، أو نضجها، أو مستواها التعليمي والمهني، بحاجة إلى "ولي ذكر" يعقد نيابة عنها، مما يخلق تباعداً غير مبرر بين أهليتها المدنية الكاملة وأهليتها الأسرية.
إن الإبقاء على شرط الولاية في عقد النكاح لا يمثل مجرد إجراء شكلي، بل هو قيد حقيقي يترتب عليه عواقب اجتماعية ونفسية معقدة.
وعندما يساء استخدام هذا الحق من قبل بعض الأولياء بدافع الطمع، أو الخلافات الأسرية، أو التعنت الاجتماعي، تقع المرأة في شباك ما يُعرف قانونياً بـ "العضل" (منع الفتاة من الزواج بكفئها).
ورغم أن النظام أتاح للمرأة المتضررة اللجوء إلى القضاء لرفع الولاية عن العاضل ونقلها للقاضي، إلا أن هذا المسار لا يعد حلاً مثالياً أو سهلاً.
إن اضطرار امرأة ناضجة للوقوف في أروقة المحاكم لمواجهة والدها أو أخيها، يشكل عبئاً نفسياً هائلاً وضغطاً اجتماعياً قد ينتهي بقطيعة أسرية تامة.
تختار الكثير من النساء الصمت والقبول بفقدان حقهن في الاستقرار الأسري، تفادياً للوصمة الاجتماعية التي تلاحق من تقاضي وليها.
إن مراجعة هذه الثغرة التشريعية لا تعني الانفصال عن الضوابط الشرعية، بل تعني البحث في سعة الفقه الإسلامي ومواكبة العصر.
فقد أقرت بعض المذاهب الفقهية، كالمذهب الحنفي، حق المرأة البالغة العاقلة في تزويج نفسها دون اشتراط الولي.
ومن هنا، فإن فتح باب النقاش حول منح المرأة السعودية حق "تزويج نفسها" بضوابط تحميها، أو قصر دور الولي على الاستشارة والمباركة الاجتماعية دون صيغة الإلزام القانوني، أصبح ضرورة ملحة لاستكمال منظومة التمكين.
إن صناعة مجتمع حيوي ومستقر تبدأ من الاعتراف الكامل بكرامة الفرد وأهليته.
وتفكيك القيود المتبقية في عقد النكاح ليس تقليلاً من مكانة الأسرة، بل هو حماية لها من التفكك الناتج عن تعنت بعض الأولياء.
لقد أثبتت المرأة السعودية نضجها وأهليتها في شتى ميادين التنمية، وحان الوقت لتثق المنظومة التشريعية بهذا النضج في خياراتها الإنسانية والأسرية الأكثر خصوصية ومصيرية.
المقترح التشريعي
إن مراجعة هذه الثغرة التشريعية لا تعني الانفصال عن الضوابط الشرعية، بل تعني البحث في سعة الفقه الإسلامي ومواكبة العصر؛ إذ أقر المذهب الحنفي تاريخياً حق المرأة البالغة العاقلة في تزويج نفسها دون اشتراط الولي.
ومن هنا، يبرز مقترح تشريعي محدد يمكنه معالجة هذه الفجوة بمرونة، ويتمثل في: "تعديل المادة الخاصة بالولاية في نظام الأحوال الشخصية، بحيث يُمنح الخيار للمرأة السعودية التي بلغت سناً معينة (كالحادية والعشرين أو الخامسة والعشرين مثلاً) أو الحاصلة على مؤهل علمي محدد، بأن تباشر عقد نكاحها بنفسها كطرف أصيل، مع جعل دور الولي اختيارياً للمباركة الاجتماعية والتضامن الأسري وليس شرطاً لصحة العقد.
وفي حال رغبتها في حضور الولي وتعنته، يتم نقل الولاية تلقائياً وبشكل إلكتروني عبر منصة (ناجز) إلى القاضي بطلب تحديث حالة، دون الحاجة لرفع دعوى عضل قضائية مواجهة علنية، وبما يضمن خصوصية الأسرة وسرعة الإجراء".
إن مثل هذا التعديل سيوائم بين الأهلية المدنية والأسرية، ويحمي المرأة من تعنت الأولياء دون كسر الروابط العائلية.
ختاماً، إن صناعة مجتمع حيوي ومستقر تبدأ من الاعتراف الكامل بكرامة الفرد وأهليته. وتفكيك القيود المتبقية في عقد النكاح ليس تقليلاً من مكانة الأسرة، بل هو صيانة لها من التفكك وتأمين لعدالة المنظومة. لقد أثبتت المرأة السعودية نضجها وأهليتها في شتى ميادين التنمية، وحان الوقت لتثق المنظومة التشريعية بهذا النضج في خياراتها الإنسانية والأسرية الأكثر خصوصية ومصيرية.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|