المقعد الوزاري الغائب: متى تكتمل لوحة التمكين بامرأة في مجلس الوزراء؟



منى جداوي
2026 / 7 / 29

حين تشرفنا بالأمس بمشاهدة السفيرة أسيل بنت سلطان الشهيل تؤدي القسم أمام سمو ولي العهد لتمثيل القيادة والوطن في مملكة السويد، تملكتنا مشاعر الفخر والاعتزاز العارم.
لم يكن هذا التعيين مجرد امتداد للنجاح الدبلوماسي الرفيع الذي بدأته الدكتورة إيناس الشهوان في العاصمة ستوكهولم عام 2021، بل جاء بمثابة تأكيد متجدد وصريح من القيادة السياسية بأن كفاءة المرأة السعودية أصبحت ركيزة سيادية لا غنى عنها في إدارة ملفاتنا الدولية والدبلوماسية المعقدة. واليوم، ونحن نرى الدماء الجديدة والشابة تتدفق في شرايين التمثيل الخارجي، يبرز في أوساطنا النخبوية والثقافية والاجتماعية سؤال وطني ملحّ، لا يحمل صيغة التمني العابر، بل صيغة المطلب الوطني المستحق:
متى نرى المرأة السعودية وزيرةً تترأس طاولات المجالس التنفيذية وتدير حقيبة وزارية مستقلة؟

إن هذا المطلب ليس قفزة في الفراغ، ولا رغبة في حرق المراحل، بل هو الاستحقاق الطبيعي والمنطقي للمنجزات المشهودة على أرض الواقع الإداري والتنموي في المملكة. فالمرأة السعودية اليوم ليست غريبة عن المطبخ الوزاري أو كواليس صناعة القرار؛ هي نائبة وزير، ومساعدة وزير، وعضو فاعل في مجلس الشورى، ورئيسة جامعة، وقائدة لهيئات ومؤسسات مالية وحقوقية ورسمية كبرى. لقد أدارت المرأة هذه الملفات الشائكة بحس وطني عالٍ وكفاءة شهد لها القاصي والداني، وتدرجت في الهرم الإداري والقيادي بكل جدارة، واكتسبت التراكم المعرفي والتنفيذي اللازم، ولم يتبقَ أمامها سوى خطوة واحدة لتكتمل الحلقة التمكينية الشاملة: صدور الثقة الملكية بتعيينها وزيرة.
نحن هنا لا نطالب بالتعيين لمجرد تحقيق "التمثيل الجندري" أو مواءمة المؤشرات الرقمية العالمية ومواكبة المظاهر السياسية، بل نطالب بفتح الباب لكفاءات وطنية نسائية ناضجة، يمتلكن من التأهيل العلمي الأكاديمي والخبرة الميدانية ما يؤهلهن لقيادة وزارات حيوية وتطويرها بشكل جذري. هناك ملفات عديدة (كالتعليم، الصحة، الثقافة، الشؤون الاجتماعية، أو حتى الاستثمار والاتصالات) تزخر بأسماء نسائية سعودية قيادية أثبتت نجاحها الإداري في الصفوف الثانية والثالثة. إن بقاء مقعد الوزير حكراً على الرجال حتى الآن، رغم وجود هذا البديل النسائي الكفء والمؤهل تأهيلاً عالياً، يترك فجوة واضحة في مشهدنا التنموي الشامل الذي يطمح إلى الاستفادة القصوى من كافة طاقات الوطن دون استثناء أو إقصاء بناءً على الجندر.
إن النهضة الشاملة التي صاغتها رؤية السعودية 2030 بنيت على فلسفة استثمار رأس المال البشري بكافة أطيافه. وقد أثبتت الأعوام الماضية أن المراهنة على بنات الوطن كانت رهاناً رابحاً في كل الميادين، من الفضاء والعلوم إلى الاقتصاد والدبلوماسية. ولم يعد المجتمع ينظر إلى هذه التحولات بريبة أو توجس، بل أصبحت الكفاءة وحدها هي المعيار والفيصل في التقييم والقبول. لذا، فإن ترقية هذا التمكين ليصل إلى حقيبة وزارية كاملة الصلاحيات يمثل النضج الطبيعي لهذه التجربة الوطنية الملهمة، ويبعث برسالة قوية للداخل والخارج بأن السعودية الجديدة لا تضع سقفاً لطموح مواطنيها.
إن القيادة الحكيمة التي حطمت قيود العقود الماضية، وجعلت تمكين المرأة ركيزة أساسية في نهضة المملكة واستقرارها وصناعة مستقبلها، قادرة اليوم على اتخاذ هذه الخطوة التاريخية المنتظرة التي يترقبها الجميع بشغف. إننا نتطلع بفخر كبير إلى اليوم القريب الذي نرى فيه امرأة سعودية تؤدي القسم أمام خادم الحرمين الشريفين كوزيرة، لتثبت السعودية مجدداً للعالم أجمع أن الكفاءة والولاء والعطاء هي المعايير الوحيدة لبناء مستقبل الوطن، ولتكتمل صياغة لوحة التمكين الوطني الشامل الذي نسير فيه معاً بخطى واثقة وثابتة نحو القمة.