زنزانة الأمان القديم: صدمة الحداثة القانونية وفجوة الأهلية النفسية للمرأة السعودية



منى جداوي
2026 / 7 / 30

لقد نجحت السيرورة التشريعية في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة في تفكيك الهياكل الصلبة لنظام الولاية التقليدي، وأعادت القوانين الجديدة صياغة مواطنة المرأة عبر منحها استقلالاً مدنياً وقضائياً غير مسبوق.
ومع ذلك، فإن الاحتفاء بالمنجز التشريعي يحجب خلفه إشكالية أعمق وأكثر تعقيداً: الفجوة البنيوية بين نصوص القانون الحديثة، وبين "الأهلية النفسية" والوعي الجمعي للنساء اللواتي رُبّين لعقود على الاستقالة الذاتية والتبعية الكاملة.
إننا أمام معضلة حقيقية؛ حيث باتت "الزنزانة القانونية" مفتوحة الأبواب، بينما لا تزال "الزنزانة النفسية" محكمة الإغلاق.
1. صدمة الحرية الفجائية: من الوصاية إلى عبء الاختيار
عاشت المرأة السعودية لعقود تحت مظلة نظام حمائي صارم؛ ورغم كونه نظاماً قمعياً سلبها حريتها، إلا أنه كان يوفر لها نوعاً من "الأمان السلبي" حيث يُعفى الذكر من مسؤولية القرار وتتحمل المنظومة تبعاته.
ارتباك الإرادة: إن الانتقال الفجائي من خانة "التابع المُعفى من المسؤولية" إلى خانة "المواطن المستقل المسؤول" أحدث صدمة واغتراباً نفسياً لدى قطاع واسع من النساء.
فوبيا القرار: تجد العديد من النساء أنفسهن اليوم يمتلكن الحق القانوني الكامل في السفر، السكن، والتقاضي، لكنهن يفتقرن إلى "الجهاز النفسي" المدرب على اتخاذ القرار وتحمل عواقبه الفردية، مما يدفعهن طوعاً لإعادة إنتاج الوصاية والبحث عن "ولي أمر" رمزي.
2. "الأنا" المستلبة والمقاومة الداخلية للتغيير
إن التشريع الفوقي، مهما كان تقدمياً، لا يمكنه محو عقود من التنميط التربوي بجرة قلم. لقد تمت أدلجة المرأة السعودية وتدجينها لتتماهى مع دور الضحية أو التابع المطيع.
الارتداد العكسي: نلاحظ ظاهرة مقلقة تكمن في مقاومة بعض النساء أنفسهن لهذه الحقوق؛ حيث يُنظر إلى التحرر القانوني بوصفه "تهديداً للهوية والاستقرار الأُسري" وليس مكسباً إنسانياً.
الذنب الجندري: تعاني المرأة التي تقرر ممارسة حقوقها المستجدة (مثل الاستقلال بالسكن أو السفر دون إذن) من جلد ذاتي مزمن، وشعور باختراق العرف، نتيجة التناقض الصارخ بين سلطة القانون الجديد وسلطة الضمير الجمعي التقليدي المستوطن في وعيها.
3. المنظومة التعليمية: إنتاج الوعي المأزوم وتأبيد التبعية
بينما تتقدم القوانين في أروقة المحاكم، لا تزال المناهج والبيئات التعليمية في كثير من جوانبها تعيد إنتاج الأدوار الجندرية التقليدية.
فصام المناهج: تعيش الطالبة السعودية انفصاماً حاداً؛ فبينما يمنحها القانون حق القيادة وإدارة شؤونها، تُلقّن في فصول الدراسة نصوصاً تربوية تمجد التبعية وتختزل فضائل المرأة في الطاعة والمبايعة العاطفية للرجل.
غياب الفلسفة النقدية: يفتقر التعليم إلى أدوات التفكير النقدي التي تُدرب الفتيات على المساءلة وبناء الشخصية المستقلة، مما يجعل المخرجات التعليمية عاجزة عن استيعاب "المواطنة الكاملة" وتحويلها إلى ممارسة يومية.
4. الإعلام المحلي: تسليع الحداثة وتكريس النمطية
يمارس الإعلام دوراً مزدوجاً وخطيراً؛ فهو يحتفي بالتمكين شكلياً، لكنه يرسخ الدونية بنيوياً.
استهلاك المظهر: يحصر الإعلام الرسمي والدعائي "المرأة الجديدة" في قوالب استهلاكية وسياحية براقة، حيث تُقدّم الحداثة كـ "ديكور" أو نجاح كوزمتيكي، دون ملامسة عمق الأزمات الحقوقية أو النفسية لربات البيوت والنساء في المناطق الطرفية.
الدراما والردّة الفكرية: لا تزال المسلسلات والبرامج المحلية تطرح نماذج مشوهة للمرأة المستقلة قانونياً، وتصمها بـ "العقوق، المسترجلة، أو مدمرة الأسرة"، مما يساهم في شحن الضمير الجمعي ضد أي امرأة تحاول ممارسة حقوقها المشروعة.
5. نحو "تمكين نفسي" يوازي التمكين التشريعي
إن الرهان على أن القوانين ستغير المجتمع تلقائياً هو رهان قاصر؛ فالقانون يمنح "الحق" لكنه لا يمنح "القدرة النفسية" على ممارسته. إن معركة الحقوق في السعودية لم تعد معركة نصوص، بل معركة مؤسسات؛ إذ لا يمكن لوزارة العدل أن تصنع امرأة حرة، بينما تستمر وزارتا التعليم والإعلام في هندسة عقلية تابعة.
إن تحقيق المواطنة الفعلية يتطلب ثورة شاملة في الخطاب التربوي والإعلامي، تُفكك "ثقافة الحريم" وتعيد بناء وعي المرأة السعودية كذات إنسانية كاملة الأهلية، لا ككائن يحتاج دائماً إلى وصي، حتى لو كان هذا الوصي هو القانون نفسه.
فالحرية لا تبدأ من ورقة المحكمة أو شاشة التطبيق الحكومي، بل تبدأ من اللحظة التي تتوقف فيها المرأة عن الخوف من حريتها.