التقاطعات المنسية في مسيرة التمكين: أين تقف المرأة السعودية ذات الإعاقة؟



منى جداوي
2026 / 8 / 1

حين نلتفت بالتحليل إلى المشهد الحقوقي والتنموي المعاصر للمرأة السعودية، تبرز ضرورة ملحة لتفكيك أبعاد هذا التمكين لضمان شمولية أثره. إن الحديث عن حقوق المرأة لا يمكن أن يكتمل دون الالتفات إلى فئة واجهت تاريخياً "تمييزاً مركباً" أو ما يُعرف في الأدبيات الحقوقية بالتقاطعية (Intersectionality)؛ وهي المرأة ذات الإعاقة. هذه الشريحة لم تعد اليوم مجرد مستفيدة من برامج الرعاية أو العطف الاجتماعي، بل أصبحت شريكة أصيلة في البناء التنموي مستندة إلى منظومة تشريعية وسيادية صلبة.
1. من الرعوية الطبية إلى المواطنة الحقوقية الكاملة
لعقود طويلة، حُصر التعامل الثقافي والمؤسسي مع المرأة ذات الإعاقة ضمن "المنظور الطبي أو الخيري"، الذي ينظر إليها كحالة تستوجب الإعانة المادية فحسب. إلا أن التحول الجذري الأبرز تجسد في انتقال المملكة إلى "المنظور الحقوقي والاجتماعي". ويظهر ذلك جلياً في:
المظلة التشريعية المستقلة: صدور نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الجديد، وتأسيس هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة كمظلة رسمية تضمن إزالة كافة العوائق القانونية والبيئية أمام ممارستها لحياتها.
سقوط التبعية: التعديلات التي منحت المرأة الأهلية القانونية الكاملة، مكنت المرأة ذات الإعاقة أيضاً من إدارة شؤونها المالية والقانونية والمدنية بشكل مستقل ودون الحاجة لولاية تعسفية تعيق حركتها أو قراراتها.
2. التمكين الاقتصادي: حوافز التوظيف والدمج في سوق العمل
لم تعد الوظيفة للمرأة ذات الإعاقة ترفاً، بل هي جوهر استقلاليتها المادية والاجتماعية. وقد وضعت التشريعات الحديثة آليات صارمة لحمايتها ودمجها:
شهادة "مواءمة" والبيئة الشاملة: إلزام المنشآت بتوفير "الترتيبات التيسيرية المعقولة" والوصول الهندسي الرقمي والمكاني، لضمان بيئة عمل آمنة وصديقة ومحفزة.
الدعم المالي المزدوج: يقدم صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) حوافز إضافية للمنشآت عند توظيف الإناث وذوي الإعاقة، مما يرفع نسب توظيف المرأة ذات الإعاقة ويحميها من التهميش الوظيفي.
3. الحقوق الصحية الإنجابية والاجتماعية: كسر التابوهات الثقافية
من أكثر المحاور عمقاً وجرأة في الأنظمة الجديدة هو التفات القانون إلى الجوانب الحياتية الأكثر خصوصية للمرأة ذات الإعاقة:
الصحة الإنجابية: يكفل النظام الجديد للمرأة ذات الإعاقة حق الوصول الكامل والكرامة في خدمات الصحة الإنجابية والأمومة، وتدريب الكوادر الطبية على التعامل مع احتياجاتها الخاصة دون تمييز أو وصاية.
الحماية من الإيذاء: تشديد العقوبات وتفعيل خطوط البلاغات الميسرة تكنولوجياً (مثل تطبيقات الإشارة للصم) لحماية المرأة ذات الإعاقة من أي شكل من أشكال العنف الأسري أو الاستغلال.
خاتمة: قلم الوعي يسد الفجوة بين النص والممارسة
إن القوانين السعودية الحديثة منحت المرأة ذات الإعاقة ترسانة حقوقية غير مسبوقة تضمن لها التعليم، والصحة، والعمل، والاستقلال المدني. إلا أن التحدي الحقيقي المتبقي هو تحدٍّ ثقافي جمعي؛ يتمثل في كسر نظرة الشفقة السائدة وتحويلها إلى ثقافة اعتراف واعتياد بوجود هذه المرأة كقائدة، ومبدعة، وموظفة، وأم. وهنا تقع المسؤولية على عاتق القلم الثقافي الواعي، الذي يملك القدرة على تطبيع هذه الحقوق اجتماعياً وتحويلها من نصوص نظامية إلى سلوك مجتمعي يومي ومعاش.