المرأة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية (الجزء الثالث)



أحمد زكرد
2026 / 8 / 1

بعد أن استعرضنا في الجزأين السابقين الكيفية التي أصبحت بها المرأة موضوعًا للتأويل الديني من جهة، وموضوعًا للاستثمار الاقتصادي والثقافي في المجتمعات الحديثة من جهة أخرى، يبدو أن السؤال الأكثر عمقًا لم يعد يتعلق بمكانة المرأة داخل هذا النظام أو ذاك، وإنما يتعلق بمنطق أوسع وأقدم: لماذا يصر الإنسان، عبر مختلف الحقب، على أن يمنح نفسه حق تعريف الآخر، وتحديد دوره، ورسم حدوده؟

إن القضية ليست قضية المرأة وحدها، بل قضية السلطة ذاتها. فالسلطة لا تبدأ بالسلاح ولا تنتهي بالقانون، وإنما تبدأ باللغة. فالذي يملك حق تسمية الأشياء، يملك في الوقت نفسه حق تشكيل الوعي بها. ومن هنا نفهم لماذا كانت المعارك الكبرى في التاريخ تدور حول التأويل قبل أن تدور حول السياسة؛ لأن السيطرة على المعنى هي الشرط الأول للسيطرة على الواقع.

لقد أدرك ميشيل فوكو أن السلطة ليست مجرد مؤسسة أو جهاز قمع، بل شبكة دقيقة من الخطابات والمعارف والعادات والتصورات التي تجعل الإنسان يقبل ما يُفرض عليه بوصفه أمرًا طبيعيًا. فالسلطة لا تفرض نفسها دائمًا بالعنف، بل كثيرًا ما تنتصر حين تجعل الخضوع يبدو فضيلة، والطاعة تبدو اختيارًا، وإعادة إنتاج الهيمنة تبدو دفاعًا عن الأخلاق أو عن الحرية.

ومن هذا المنظور، لا يمكن اختزال تاريخ المرأة في صراع بين الدين والعلمانية؛ لأن كليهما قد يتحول، في ظروف معينة، إلى منظومة تفرض تعريفًا مسبقًا للمرأة. ففي بعض السياقات تُختزل المرأة في دور الأسرة والأمومة، وفي سياقات أخرى تُختزل في الجسد والصورة والاستهلاك. تبدو الصور متناقضة، لكنها تشترك في آلية واحدة: أن المرأة تُعرَّف من الخارج أكثر مما تُعرِّف نفسها.

إن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تُمارس بالقوة، وإنما تلك التي تنجح في إقناع الإنسان بأن الصورة المفروضة عليه هي هويته الحقيقية. وهنا يلتقي تحليل فوكو مع مفهوم "العنف الرمزي" عند بيير بورديو؛ فالعنف الرمزي لا يحتاج إلى سياط، لأنه يعمل داخل اللغة، والتربية، والإعلام، والعادات، حتى يصبح النظام الاجتماعي وكأنه قدر طبيعي لا يقبل النقاش.

ولهذا فإن السؤال الفلسفي لا ينبغي أن يكون: هل كان الماضي أكثر ظلمًا من الحاضر؟ بل: كيف يعيد كل عصر إنتاج أشكاله الخاصة من السيطرة؟ إن التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد إنتاج منطقه بوسائل مختلفة. فما كان يُفرض قديمًا باسم الحقيقة الدينية قد يُفرض اليوم باسم الحقيقة العلمية، أو باسم متطلبات السوق، أو باسم الرأي العام، أو حتى باسم الحرية نفسها.

وهنا تظهر مفارقة الحداثة. فقد وعدت الحداثة بتحرير الإنسان من كل وصاية، لكنها لم تستطع القضاء على الحاجة إلى الوصاية، بل نقلتها إلى مؤسسات جديدة. لم يعد رجال الدين وحدهم يصوغون صورة المرأة، بل أصبحت شركات الإعلان، ومنصات التواصل، وصناعة الترفيه، والمؤثرون، والخوارزميات، تشارك جميعها في إنتاج النموذج الذي ينبغي أن تكون عليه المرأة الناجحة أو الجميلة أو المرغوبة.

وهكذا انتقلت السلطة من المنبر إلى الشاشة، ومن الفتوى إلى الخوارزمية، ومن الرقابة المباشرة إلى اقتصاد الانتباه الذي يقيس قيمة الإنسان بعدد المشاهدات والإعجابات. ولم يعد الجسد يُراقَب باسم الفضيلة وحدها، بل أصبح يُستثمر باسم الجاذبية والنجاح والتسويق.

إن الرأسمالية لا تحتاج إلى تحطيم المرأة حتى تستفيد منها؛ يكفي أن تحولها إلى مشروع استهلاكي دائم. وكلما ازداد شعورها بأنها غير مكتملة، ازداد الطلب على منتجات تعدها بالكمال. وهنا يصبح النقص صناعة، ويصبح القلق الاقتصادي قائمًا على إنتاج قلق وجودي دائم.

لكن الخطأ سيكون كبيرًا إذا تصورنا أن الحل يكمن في استبدال منظومة بأخرى. فالتحرر الحقيقي لا يتحقق بمجرد الانتقال من سلطة دينية إلى سلطة علمانية، ولا من سلطة الأسرة إلى سلطة السوق، بل يتحقق عندما يصبح الإنسان قادرًا على مساءلة كل سلطة تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية.

إن نيتشه كان يرى أن أخطر الأصنام ليست تلك المصنوعة من الحجر، وإنما تلك التي تسكن العقول. فكل فكرة تتوقف عن قبول النقد تتحول إلى صنم، سواء كانت دينية أو سياسية أو فلسفية أو علمية. والمقدس، بهذا المعنى، ليس اسمًا لدين بعينه، بل هو كل ما يُرفع فوق السؤال.

ومن هنا فإن الدفاع عن المرأة لا ينبغي أن يتحول إلى أيديولوجيا جديدة تُقصي الرجل، كما أن الدفاع عن الرجل لا يبرر الانتقاص من المرأة. إن العلاقة بينهما ليست علاقة غلبة، بل علاقة اعتراف متبادل. فالكرامة لا تتجزأ، والحرية التي تُبنى على إقصاء الآخر تنتهي إلى إنتاج شكل جديد من الهيمنة.

لقد بيّن أكسل هونيث أن الاعتراف هو الشرط الأساسي لبناء الذات الإنسانية. فالإنسان لا يكتمل بالسيطرة، بل بالاعتراف المتبادل. وكل مجتمع يعجز عن الاعتراف المتساوي بأفراده يظل مجتمعًا يعاني أزمة أخلاقية، مهما بلغت درجة تقدمه العلمي أو الاقتصادي.

ولذلك، فإن مستقبل المرأة لا يتوقف على انتصار خطاب على آخر، بل على بناء ثقافة تجعل الإنسان قيمة في ذاته، لا وسيلة لمشروع سياسي أو ديني أو اقتصادي. وعندما تتحول المرأة إلى رمز تستثمره الأيديولوجيات، تضيع المرأة الحقيقية؛ تلك التي تحلم، وتفكر، وتبدع، وتخطئ، وتختار، وتتحمل مسؤولية اختياراتها.

إن السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الفكر المعاصر ليس: أي منظومة انتصرت؟ بل: هل أصبح الإنسان أكثر حرية؟ وهل أصبحت المرأة تُعامل بوصفها ذاتًا مستقلة، أم ما زالت تُعرَّف من خلال ما يريده الآخرون منها؟

إن أخطر أشكال الاستبداد ليست تلك التي تمنع الإنسان من الكلام، بل تلك التي تحدد له مسبقًا ما يجب أن يقوله، وما ينبغي أن يكونه، وما يسمح له أن يحلم به. وعندما تبلغ السلطة هذه المرحلة، فإنها لا تسيطر على الجسد فقط، بل تستعمر الخيال نفسه.

إن تحرير المرأة، في نهاية المطاف، ليس معركة تخص النساء وحدهن، بل هو اختبار لقدرة الإنسانية على التحرر من ميلها الدائم إلى إنتاج الهيمنة. فكل حضارة تُقاس بقدرتها على تحويل القوة إلى عدالة، والاختلاف إلى اعتراف، والسلطة إلى مسؤولية.

ويبقى المقدس الوحيد الذي يستحق الدفاع عنه هو كرامة الإنسان؛ لأنها القيمة التي لا تكتمل إلا إذا شملت الجميع، دون تمييز بسبب الجنس أو المعتقد أو الثقافة. وعندما يصبح الإنسان غايةً لا وسيلة، يصبح السؤال عن المرأة سؤالًا عن مستقبل الإنسانية نفسها، لا عن مصير نصفها فقط.