المرأة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية (الجزء الثاني



أحمد زكرد
2026 / 8 / 1

)

إذا كان الجزء الأول قد انتهى إلى أن المؤسسة الدينية، عبر قرون طويلة، ساهمت في بناء صورة دونية للمرأة من خلال تأويلات جعلت منها كائنا تابعا للرجل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل استطاعت العلمانية أن تحقق الوعد الذي قطعته بتحرير المرأة؟ وهل نجحت الحداثة في تحويل المرأة إلى ذات مستقلة، أم أنها أعادت إنتاج أشكال جديدة من السيطرة أكثر نعومة وأشد تعقيدا؟

لقد رفعت الحداثة شعار الحرية، وأعلنت المساواة، وأسقطت كثيرا من السلطات التقليدية، لكن التاريخ يعلمنا أن سقوط سلطة لا يعني بالضرورة نهاية الهيمنة، بل قد يكون مجرد انتقال لها من شكل إلى آخر. فكما كان المقدس الديني ينتج أنظمة للضبط والمراقبة، أصبح السوق اليوم ينتج أنظمة أكثر قوة، لأنها لا تعتمد على الإكراه، بل على الرغبة.

لقد خرجت المرأة من سلطة الفقيه لتدخل سلطة الإعلان، ومن وصاية الشيخ إلى وصاية شركات التجميل، ومن سلطة النص إلى سلطة الصورة.

لقد تغير السجن، لكن القيود بقيت.

إن الرأسمالية المعاصرة لم تعد ترى المرأة باعتبارها إنسانا، بل باعتبارها جسدا قابلا للاستثمار. فالجسد تحول إلى سلعة، والجمال إلى رأسمال، والأنوثة إلى صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات سنويا. لم يعد السؤال: من هي المرأة؟ بل أصبح: كيف ينبغي أن تبدو؟

لقد نجحت السوق فيما عجزت عنه كثير من الأيديولوجيات؛ إذ جعلت المرأة تراقب نفسها بنفسها، وتسعى طوعا إلى مطابقة نموذج جمالي صاغته الشركات العالمية. وهنا تتحقق سلطة جديدة وصفها ميشيل فوكو بأنها سلطة تنتج الأجساد المطيعة دون الحاجة إلى العنف المباشر.

إن المرأة اليوم ليست فقط ضحية السلطة الدينية، بل أصبحت أيضا ضحية السلطة الاقتصادية والإعلامية. فالإعلانات، ومنصات التواصل الاجتماعي، وصناعة الموضة، والسينما، كلها تشارك في إنتاج صورة مثالية للمرأة، تجعل قيمتها مرتبطة بمقدار قدرتها على جذب الأنظار لا بمقدار قدرتها على التفكير والإبداع.

وهكذا تحولت الحرية إلى استهلاك، وأصبحت المساواة مجرد شعار يخفي تفاوتات جديدة.

ولعل المفارقة الكبرى أن العلمانية التي رفعت شعار تحرير الجسد انتهت أحيانا إلى تحويل الجسد نفسه إلى موضوع للبيع والشراء. فإذا كان الخطاب الديني قد فرض الحجاب باسم الفضيلة، فإن السوق يفرض التعري باسم الحرية. وفي الحالتين يظل الجسد هو موضوع الصراع، بينما يغيب الإنسان.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل ترتدي المرأة الحجاب أم لا؟ بل: هل هي التي اختارت ذلك بحرية، أم أن اختيارها تصنعه مؤسسات خفية؛ مرة باسم الدين، ومرة باسم الموضة، ومرة باسم النجاح الاجتماعي؟

فالحرية ليست في كشف الجسد ولا في ستره، وإنما في قدرة الإنسان على اتخاذ قراره بعيدا عن كل أشكال الإكراه، سواء كان إكراها دينيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا.

لقد ناضلت الحركات النسوية طويلا من أجل انتزاع حقوق المرأة السياسية والقانونية، وهو نضال لا يمكن إنكار أهميته. غير أن بعض الاتجاهات النسوية وقعت بدورها في اختزال المرأة داخل صراع دائم مع الرجل، حتى بدا وكأن العلاقة بين الجنسين علاقة حرب لا علاقة تكامل.

إن تحويل الرجل إلى خصم دائم لا يقل خطورة عن تحويل المرأة إلى كائن تابع. فالإنسانية لا تبنى بانتصار جنس على آخر، وإنما بإقامة عدالة يتساوى فيها الجميع في الكرامة والحقوق.

لقد نبهت سيمون دي بوفوار إلى أن المرأة ليست قدرا بيولوجيا، وإنما هي نتاج بناء اجتماعي، لكن هذا البناء الاجتماعي لا يصنعه الدين وحده، بل تصنعه أيضا المدرسة، والإعلام، والاقتصاد، والسياسة، والأسرة، بل وحتى المرأة نفسها حين تعيد إنتاج الصور النمطية التي ورثتها.

ومن هنا يصبح تحرير المرأة مشروعا لتحرير المجتمع بأسره، لأن المجتمع الذي يقمع المرأة هو نفسه المجتمع الذي يقمع حرية الرجل حين يحوله إلى آلة للسلطة والقوة ويحرمه من حقه في التعبير عن هشاشته وإنسانيته.

إن القضية ليست قضية المرأة وحدها، بل قضية الإنسان.

فالمجتمع الذي يميز بين البشر على أساس الجنس، هو نفسه الذي يميز بينهم على أساس الدين والعرق واللغة والطبقة الاجتماعية. وكل أشكال التمييز تنبع من منطق واحد، هو الاعتقاد بأن بعض البشر أكثر قيمة من غيرهم.

إن تجاوز هذا المنطق لا يكون باستبدال سلطة بسلطة، ولا بإحلال هيمنة محل أخرى، وإنما بإعادة تأسيس العلاقة بين الرجل والمرأة على مبدأ الاعتراف المتبادل، حيث يكون كل واحد منهما غاية في ذاته، لا وسيلة لإشباع رغبات الآخر أو تكريس سلطته.

لقد علمتنا الفلسفة، منذ إيمانويل كانط، أن الإنسان يجب أن يعامل دائما باعتباره غاية لا وسيلة. وهذه القاعدة الأخلاقية البسيطة كفيلة بإسقاط كل خطاب يحول المرأة إلى مجرد جسد، أو إلى مجرد أداة للإنجاب، أو إلى مجرد سلعة، أو إلى مجرد رمز للشرف.

فالمرأة ليست شرف الرجل، وليست ملكه، وليست نصفه الناقص، كما أن الرجل ليس سيدها بطبيعته.

إنهما شريكان في الوجود، مختلفان بيولوجيا، ومتساويان إنسانيا.

إن المأزق الحقيقي لا يكمن في الدين وحده، ولا في العلمانية وحدها، بل في كل فكر يحول الإنسان إلى موضوع للهيمنة. فحين يتحول الدين إلى أداة للسيطرة يفقد بعده الروحي، وحين تتحول العلمانية إلى أداة للسوق تفقد بعدها الإنساني.

ويبقى السؤال مفتوحا أمام ضمير الإنسانية كلها: هل نريد عالما تتحرر فيه المرأة من سلطة لتسقط في سلطة أخرى؟ أم نريد عالما يكون فيه الإنسان، رجلا كان أو امرأة، قيمة في ذاته، وغاية لكل مشروع حضاري؟

إن مستقبل المرأة لن يصنعه انتصار المقدس على العلمانية، ولا انتصار العلمانية على المقدس، وإنما يصنعه انتصار الإنسان على كل أشكال الاستعباد، وانتصار العقل النقدي على التعصب، وانتصار الكرامة على الهيمنة.

وعندما تصبح كرامة الإنسان هي المقدس الوحيد، آنذاك فقط يمكن القول إن المرأة والرجل قد تحررا معا.