|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
منى جداوي
!--a>
2026 / 8 / 1
في الممرات الطويلة لقطاعاتنا التنموية، حيث تتسارع الخطى نحو المستقبل، ثمة أصوات خافتة لا تسمعها المعاملات الرسمية، وعجلات كراسي متحركة تطرق أبواباً صُممت مقابضها للأصحاء فقط. إن خلف نظرات الصمت في عيون المرأة السعودية ذات الإعاقة، تكمن معركة إنسانية صامتة ومزدوجة؛ معركة تولد كل صباح لتثبت فيها جدارتها كإنسانة قادرة على الإنتاج، وسط منظومة اقتصادية ووظيفية لا تزال تقرأ حقوقها من ثقب "الرعاية والشفقة" لا من نافذة "التمكين والعدالة التشريعية الصارمة". إنها ليست قضية أرقام ونسب بطالة، بل هي قضية كرامة إنسانية معلقة على مشجب القوانين المؤجلة.
إن دمج المرأة ذات الإعاقة في المنظومة الاقتصادية ليس عملاً خيرياً أو منّة عاطفية، بل هو استثمار تنموي ذو عائد حقيقي يرفع من الناتج المحلي الإجمالي ويقلل من نسب الاعتماد على الإعانات الرعائية. لكن غياب التشريعات الدقيقة والموجهة لهذه الفئة تحديداً يخلق نوعاً من "العزلة الهيكلية"، حيث تذوب أحلام ومواهب شريحة غالية من بناتنا بين مطرقة نظرة المجتمع القاصرة، وسندان القوانين العامة التي لا تلتفت لخصوصية معاناتهن الإنسانية والمهنية.
ولتحويل هذا التمكين إلى واقع ملموس يحمي أمانهن الوظيفي والمالي، يحتاج المشرّع السعودي إلى إقرار أدوات قانونية مرنة وموجهة ترتكز على أبعاد إنسانية ووظيفية عميقة:
صون الكرامة واستقلالية القرار: تشريع قوانين تحمي حقها في تقرير مصيرها المهني والمالي، وتمنع النظرة الوصائية أو الولاية التعسفية التي قد تفرضها العائلة أو بيئة العمل على خياراتها الاقتصادية الحرة.
حصص توظيف إلزامية (الحصص الإنسانية): تعديل نسب التوطين (نطاقات) لفرض نسبة محددة وخاصة بتوظيف "النساء" ذوات الإعاقة، لمنع تفضيل توظيف الرجال من ذوي الإعاقة عليهن في القطاع الخاص، لتتحول من خانة "المتلقية للمساعدة" إلى صانعة فاعلة لقمة عيشها بكبرياء.
الأمان النفسي والجسدي في العمل: إلزام المنشآت بتوفير بيئة دامجة ومجهزة هندسياً وتقنياً تحترم جسدها وخصوصيتها، مع مرونة قانونية تمنحها خيارات العمل عن بُعد، وساعات عمل مرنة، وإجازات صحية تراعي توازنها الجسدي دون تهديد لأمانها الوظيفي أو فرص ترقيها.
أنسنة ريادة الأعمال: ابتكار حاضنات أعمال متخصصة وممولة بالكامل عبر مسارات ميسرة من بنك التنمية الاجتماعية لدعم المشاريع الناشئة والرقمية، لتحرير إبداع النساء اللواتي تمنعهن عوائق الحركة من الحضور الجسدي، وتحويل بيوتهن إلى منارات إنتاجية مستدامة.
إن خلف كل موظفة أو رائدة أعمال من ذوات الإعاقة معركة صامتة لا يراها أحد؛ معركة مع ألم الجسد، ومعركة مع نظرات الشفقة في الممرات. إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في الاعتراف الشفهي بحقوقهن، بل في تحويل هذا الاعتراف إلى قوة قانونية ملزمة تكسر حواجز التهميش وتفتح أبواب العطاء على مصراعيها.
لقد أثبتت المرأة السعودية عبر التاريخ أنها متى ما مُنحت الثقة والغطاء التشريعي، أذهلت العالم بعزيمتها. والنساء ذوات الإعاقة لسن استثناءً؛ فهن يمتلكن الشغف، والإرادة، والعقل المبدع، ولا ينقصهن سوى أن تؤمن المنظومة القانونية بقدراتهن عبر تشريعات صارمة تحميهن وتدفع بهن نحو الصفوف الأولى.
دعونا لا ننتظر الغد، بل نصنعه الآن، لنبني وطناً حيوياً وشاملاً، يتسع لأحلام كل بناتنا، ويسير بقوة وعزم نحو مستقبل لا يُستثنى فيه أحد من صناعة المجد، مستقبل لا يكتمل بهاؤه إلا حين تطير كل فراشاته حرة في فضاء الإنتاج والبناء!
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|