زيف -التمكين- الممنهج: قراءة حادة في واقع انتهاكات حقوق المرأة السعودية!



مهنا المهنا
2026 / 8 / 2

لم يعد مقبولاً التستر خلف واجهات "الإصلاح" الشكلي والدعاية الإعلامية الممنهجة التي تحاول تسويق واقع المرأة السعودية كقصة نجاح مطلقة. إن التحولات القانونية الأخيرة —من السماح بالقيادة إلى تعديل وثائق السفر— رغم أهميتها، ليست سوى قشرة خارجية تخفي تحتها منظومة قمعية مركّبة تشترك فيها المؤسسة الحكومية والبيئة المجتمعية والإعلام الموجه لترسيخ الوصاية وإخضاع النساء.
إن القراءة الحقيقية للمشهد تفرض تعرية الفجوة السحيقة بين النص التشريعي والواقع المعيش، استناداً إلى تقارير المنظمات الدولية (مثل منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، والبنك الدولي).

أولاً: البُعد الحكومي.. إعادة تدوير القمع بقوانين حديثة
مأسسة التمييز في الأحوال الشخصية: في الوقت الذي تتبجح فيه الخطابات الرسمية بإلغاء الولاية، جاء "قانون الأحوال الشخصية" الجديد ليكرّس الدونية القانونية للمرأة؛ حيث يرهن زواجها بموافقة ولي الأمر، ويسقط حقها في النفقة إذا مارست حقها في رفض العيش في بيت الزوجية دون "عذر مشروع"، ويحرمها من حقوق الولاية المتساوية على أطفالها بعد الطلاق. وهذا ما يفسر التراجع الحاد للمملكة في معايير "الزواج والأبوة" ضمن تقارير البنك الدولي الأخيرة حول "المرأة والأنشطة التجارية والقانون".

سقوط مدوٍّ في المؤشرات الدولية: تعكس الأرقام حقيقة الوضع؛ إذ تقبع السعودية في المرتبة 126 من أصل 146 دولة في مؤشر الفجوة العالمية بين الجنسين (Global Gender Gap Index)، مما يثبت أن الاستعراض الاقتصادي لا يحجب حقيقة التمييز الهيكلي والأسري ضد النساء.

الولاية الفعلية وأحكام "العقوق": لا يزال نظام الولاية حياً وفاعلاً عبر تواطؤ غير رسمي؛ حيث تشترط مستشفيات وجهات عمل وأصحاب عقارات موافقة ولي الأمر لإنهاء معاملات النساء دون أي عقاب رادع للمخالفين. والأنكى من ذلك، هو استمرار السلطات القضائية في احتجاز مئات النساء في "دور رعاية الفتيات" (وهي معتقلات مقنّعة) بتهم فضفاضة وسلطوية مثل "التغيب" أو "العقوق" لمجرد محاولتهن الاستقلال السكني أو الهروب من جحيم الأسرة.

ثانياً: الملاحقات الأمنية وسحق التنظيم النسوي
أحكام انتقامية تفوق الخيال: تخوض السلطات حرباً معلنة ضد أي وعي نسوي مستقل؛ حيث رصدت المنظمات الدولية صدور أحكام قضائية مرعبة بموجب "نظام مكافحة جرائم الإرهاب" ضد نساء وأكاديميات (مثل سلمى الشهاب ونورة القحطاني) وصلت إلى 27 عاماً، و34 عاماً، وحتى 45 عاماً سجناً، لمجرد التعبير عن الرأي أو التضامن مع قضايا المرأة عبر منصة "إكس".
السجون المفتوحة وحظر السفر بنسبة 100%: لم ينتهِ التنكيل بالناشطات البارزات عند الإفراج عنهن؛ بل تم تحويل حياتهن إلى سجون مفتوحة عبر فرض حظر سفر تعسفي ممتد ومؤكد بنسبة 100% بحق كل من طالبت يوماً بحقوقها (مثل لجين الهذلول ونسيمة السادة)، مع إغلاق حساباتهن ومنعهن من أي نشاط عام.

تصفية المجتمع المدني: تسجل المملكة "صفر" منصات أو جمعيات نسوية مستقلة مرخصة. يُحظر تماماً أي تنظيم نسوي خارج المظلة الحكومية، مما يجعل النضال من أجل حقوق المرأة عملاً محفوفاً بمخاطر الاعتقال والوصم بالخيانة.
ثالثاً: التواطؤ المجتمعي والإعلامي.. حماية الجلاد وتغييب الضحية
دور الحماية كأداة احتجاز: تفتقر منظومة الحماية من العنف الأسري للحد الأدنى من الاستقلالية؛ إذ توثق التقارير الحقوقية اشتراط حضور أو موافقة ولي الأمر (الذي غالباً ما يكون هو المعنِّف) لتتمكن المرأة من مغادرة دار الرعاية، مما يحول هذه المؤسسات من ملاذ آمن إلى أداة لإعادة تسليم الضحية لجلادها.

التغطية الانتقائية وتنميط "المنحة": يمارس الإعلام المحلي تعمية ممنهجة؛ حيث يضخم الإنجازات الاقتصادية وتعيين النساء في مناصب ديكورية، بينما يفرض صمتاً مطبقاً على جرائم العنف الأسري، وفجوات القوانين، ومصير الناشطات. والأخطر هو تصوير حقوق المرأة كـ"مكرمة ومنحة" حكومية لا كحقوق إنسانية أصيلة، بهدف محو تاريخ الحراك النسوي وتجريد النساء من فاعليتهن.
ختاماً وتوصيات: ما وراء مساحيق التجميل السياسية

إن الاستمرار في التعامل مع ملف المرأة السعودية من خلال عدسة "التسويق السياحي والاقتصادي" هو تواطؤ صريح في استمرار انتهاك حقوقها. وبناءً على المعطيات الكارثية السابقة، يطرح هذا المقال توصيات حاسمة ومحددة للجهات الدولية والحكومية:
إلى المنظمات الدولية والهيئات الأممية:
تفعيل آليات المحاسبة الحقوقية: يجب على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة واللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة (CEDAW) الكف عن قبول التقارير الصورية، وربط أي تقييم إيجابي للمملكة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة معتقلات الرأي، وإلغاء عقوبات حظر السفر المفروضة على الناشطات.
ربط الشراكات الاقتصادية بالمعايير الحقوقية: مطالبة الشركات الدولية والمؤسسات الاستثمارية التي تروج لـ"تمكين المرأة في السعودية" بالضغط على الحكومة لإلغاء القوانين التمييزية، لضمان ألا تساهم استثماراتها في تبييض الانتهاكات المستمرة.
إلى الحكومة والسلطات التشريعية والقضائية:
الإلغاء الكامل والفوري لنظام الولاية: إسقاط كافة القوانين واللوائح التنفيذية التي تمنح الرجل سلطة قضائية أو أسرية على المرأة، وتعديل قانون الأحوال الشخصية لضمان المساواة الكاملة في الزواج، الطلاق، الحضانة، والولاية على الأطفال.
إلغاء تهم "التغيب" و"العقوق": إسقاط هذه التهم الفضفاضة فوراً من النظام القضائي، وتجريم احتجاز النساء في دور الرعاية بسبب رغبتهن في الاستقلال السكني أو الهروب من العنف.
شرعنة العمل المدني المستقل: السماح غير المشروط بتأسيس جمعيات، ومنظمات، ومنصات نسوية مستقلة تملك الصلاحية القانونية لرصد الانتهاكات، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا دون رقابة أمنية أو ملاحقة قضائية.

إن حقوق المرأة السعودية ليست ورقة للمساومة السياسية أو أداة لتحسين الصورة الدولية، والاستحقاق الحقيقي يبدأ عندما تملك المرأة حق تقرير مصيرها دون خوف من سجن الأسرة أو سجن الدولة.