العيد القومي السعودي ودور المرأة: هل حان وقت إعادة صياغة مسمياتنا الوطنية؟



منى جداوي
2026 / 8 / 3

المقدمة: التحول الحضاري وسؤال الهوية
لا تُقاس مسيرة الأمم العظمى بمرور السنوات الفلكية فحسب، بل بالعمق الفكري والثقافي الذي تتركه منعطفاتها التاريخية في وجدان الهوية الجماعية.
والمملكة العربية السعودية اليوم، وهي تعيش أوج نهضتها الاستثنائية وعصرها الذهبي تحت ظل قيادتها الرشيدة، تعيد صياغة حضورها العالمي بناءً على إرث تاريخي وضارب في عمق الزمن يمتد لثلاثة قرون كاملة.
ومن رحم هذا التحول، تبرز أصوات نقدية ومراجعات فكرية من نخبنا الثقافية؛ ولعل أبرزها الأطروحة الجريئة التي قدمها المؤرخ والباحث السعودي عبدالله مطلق القحطاني في كتابه، والتي يدعو فيها إلى تطوير مصطلح "اليوم الوطني" واستبداله بـ "العيد القومي السعودي".
فهل نحن أمام مجرد ترف لفظي، أم أنه استحقاق سيادي شمل في جوهره كافة مكونات المجتمع، وفي مقدمتها المرأة السعودية؟
المحور الأول: دلالة الألفاظ وفلسفة المصطلحات
إن المفاهيم في الخطاب السياسي الحديث ليست قوالب جامدة، بل أدوات حية تعبر عن روح الدولة ومستوى نضجها السيادي. فعند تفكيك مصطلح "اليوم الوطني"، نجد أنه يحمل دلالة زمنية تؤرخ لحدث محدد في التقويم السنوي، وقد يوحي بالاحتفاء برابطة إدارية أو قانونية مجردة بين المواطن والدولة. في مقابل ذلك، يرتفع مصطلح "العيد القومي" بالمعنى إلى آفاق سيادية أرحب؛ فـ "العيد" يمثل الشرعية الاحتفالية العليا التي تبث الحيوية المتجددة في وجدان الأمة، و"القومي" يعبر عن التلاحم العضوي والصلب الذي يربط بين الأرض، والتاريخ، والشعب، والقيادة في مصير مشترك واحد لا ينفصم. وهذا "القوم" أو "الأمة السعودية" لم تُبنَ بجهد أحادي، بل كانت المرأة شريكاً عضوياً كاملاً في صياغة هذا الوجدان التاريخي والاجتماعي.
المحور الثاني: الجذور التاريخية ودور المرأة في مرحلة التأسيس
تستند هذه الدعوة إلى ركائز تاريخية صلبة؛ فالهوية السعودية ليست حدثاً طارئاً عمره عقود قليلة، بل هي خط حضاري متصل ممتد منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1727م. وفي هذا الخط الحضاري المتصل، كانت المرأة السعودية حاضرة بقوة الفكر والمشورة؛ ولعل الأميرة نورة بنت عبدالرحمن (شقيقة الملك المؤسس عبدالعزيز) خير دليل على الدور الفكري والاجتماعي المحوري لدعم استقرار الدولة وتوحيدها. إن مشاركة المرأة في فترات التوحيد عبر رعاية الجرحى، وإعداد التموين، وترسيخ قيم الولاء والانتماء في غياب الرجال، يثبت أن الشخصية القومية السعودية تشكلت بجهد مشترك ومتكافئ بين نسائها ورجالها، وهو ما يرفع منزلة يوم تلاحمها إلى مصاف الأعياد القومية السيادية للأمم العظمى.
المحور الثالث: صناعة الذاكرة الجمعية وتمكين المرأة المعاصرة في الفضاء السيادي
إن الانتقال نحو مسمى "العيد القومي" يحمل أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة تصب في مصلحة الأمن الفكري وصناعة الذاكرة الجمعية العابرة للأجيال. وفي هذا السياق المعاصر، لم يعد حضور المرأة مجرد مشاركة احتفالية عابرة أو تجميلية، بل أصبح حضوراً بنيوياً وسيادياً يعكس ولادة "الأمة السعودية الحديثة" بكامل طاقتها البشرية.
لقد شهدنا في الآونة الأخيرة زلزالاً إصلاحياً فكك الذهنية الإقصائية ومزق الوصاية التقليدية التي حاولت لقرون تهميش كفاءة عقل الأنثى تحت ذرائع ومبررات واهية. واليوم، نرى الاعتراف السيادي الكامل بقدرات المرأة يتجسد على أرض الواقع؛ فهي لم تعد تدير الصالونات الثقافية فحسب، بل تقود دفة الدبلوماسية الدولية، وتدير المؤسسات الأمنية والعسكرية الفاعلة، وجلست بكل جدارة واستحقاق على منصة القضاء لتفصل في النزاعات المعقدة، مؤكدةً أن العدل والعقل ليسا حكراً على جنس دون آخر. إن تبني مفهوم "العيد القومي" يعمل كأداة فكرية لترسيخ هذه "المواطنة العضوية" المتساوية في وعي الأجيال الناشئة؛ فحينما يرى الجيل القادم المرأة والرجل يقفان معاً كأركان صلبة في حماية هيبة الدولة وريادتها الاقتصادية والثقافية، يتلاشى السلوك المناسباتي الضيق، ويحل محله فخر مستدام يعزز اللحمة الوطنية ويحصن الوجدان الجمعي ضد أي أفكار إقصائية أو تيارات عابرة للحدود.
الخاتمة: مواكبة عصر الريادة
إن رؤية السعودية الطموحة نقلت المملكة إلى مصاف الدول التنافسية العظمى، وصنعت واقعاً يتسم بالثقة المطلقة وقوة القرار السياسي والاقتصادي، وهو العصر الذي نالت فيه المرأة اعترافاً سيادياً كاملاً بحقوقها ومكانتها التنموية. وفي ظل هذا التحول الهيكلي الشامل، يصبح تطوير أدواتنا المفاهيمية ومسمياتنا الوطنية ضرورة فكرية لتعكس حجم القوة والمنعة التي بلغتها الدولة بمختلف أركانها. إن دعوة المؤرخ عبدالله القحطاني لتبني "العيد القومي السعودي" تستحق الدراسة والالتفات من مؤسساتنا الثقافية والإعلامية؛ فهي خطوة تنقلنا من إطار التذكير العابر، إلى إعلان سنوي متجدد عن ولادة قوة عالمية مستدامة، تُبنى وتزدهر بسواعد رجالها ونسائها على حد سواء.