في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة الجريمة و سؤال العدالة - مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 8 / 3

في الثالث من آب من كل عام، لا يستعيد الإيزيديون حادثة مضت و انتهت، بل يعودون إلى جرح ما زالت أطرافه مفتوحة. ففي مثل هذا اليوم من عام 2014 اجتاح التنظيم الإرهابي قضاء سنجار، و بدأ حملة منظمة استهدفت الوجود الإيزيدي نفسه، بالقتل و الخطف و الاستعباد و التهجير و تدمير القرى و دور العبادة. وقد خلصت لجنة تحقيق أممية إلى أن ما ارتكب بحق الإيزيديين يرقى إلى جريمة إبادة جماعية، فضلاً عن جرائم ضد الإنسانية و جرائم حرب. لذلك لا تبدو الذكرى مجرد مناسبة للحزن، بل اختباراً سنوياً لجدية الدولة و المجتمع الدولي في تحويل الاعتراف بالجريمة إلى عدالة ملموسة.
كانت المرأة الإيزيدية في مركز هذه الجريمة، لا لأنها كانت ضحية عرضية، بل لأن استهدافها كان جزءاً من آلية الإبادة. استخدم التنظيم الإرهابي الخطف و الاغتصاب و الاستعباد و الاتجار بالنساء و الفتيات وسيلة لتفكيك الجماعة و كسر بنيتها الاجتماعية و زرع الخوف داخلها. كثير من الناجيات عدن و هن يحملن آثاراً نفسية و جسدية عميقة، و بعضهن عدن من دون أطفالهن، أو من دون معرفة مصير الأزواج و الآباء و الأشقاء. أما من بقين في عداد المفقودين، فإن غيابهن المستمر يجعل الجريمة حاضرة في حياة أسر تنتظر خبراً قد لا يأتي.
الطفل الإيزيدي كان بدوره هدفاً مباشراً. فقد قتل أطفال، و اختطف آخرون، و فصلوا عن أمهاتهم، و تعرض بعضهم للتجنيد و تغيير الهوية و الإكراه العقائدي. كما نشأ آلاف الأطفال في المخيمات أو في بيئات غير مستقرة، محرومين من الاستقرار المدرسي و الرعاية النفسية و الشعور الطبيعي بالأمان. الطفل الذي عاش الخطف أو فقد أسرته لا يحتاج إلى مساعدة إغاثية مؤقتة فقط، بل إلى برنامج طويل الأمد يعيد بناء علاقته بالمجتمع و المدرسة و ذاته. إن ترك هذه الآثار من دون معالجة يعني نقل الجريمة من جيل إلى آخر، حتى لو توقف القتل منذ سنوات.
ولا يمكن معالجة هذا الملف بخطاب التعاطف وحده. فاستيعاب الناجيات و الأطفال يحتاج إلى حماية قانونية و تربوية تمنع الوصم، و إلى خدمات نفسية تراعي الصدمة، و إلى خطاب اجتماعي يحمّل الجاني وحده مسؤولية الجريمة. الضحية لا ينبغي أن تدفع ثمن ما فرض عليها، مرة أثناء الأسر و مرة أخرى بعد العودة.
بعد اثني عشر عاماً، ما زال أكثر من مئة ألف شخص، معظمهم من إيزيديي سنجار، يعيشون في مخيمات أو تجمعات نزوح غير مستقرة، بينما تشير تقارير حديثة إلى بقاء نحو 2600 إيزيدي في عداد المفقودين. هذه الأرقام لا تمثل ملفاً إنسانياً مؤجلاً، بل تكشف أن العودة إلى سنجار لم تصبح بعد خياراً آمناً و قابلاً للحياة للجميع. فإعادة السكان لا تتحقق بقرار إداري أو بإغلاق المخيمات، وإنما بتوفير الأمن و الخدمات و السكن و فرص العمل و المدارس، و بحسم التنافس المسلح و الإداري الذي جعل المنطقة معلقة بين أكثر من سلطة و أكثر من إرادة.
أقر العراق عام 2021 قانون الناجيات الإيزيديات، و هو خطوة مهمة لأنه اعترف بالإبادة و وفر إطاراً للتعويض و الراتب و الرعاية الصحية و التأهيل و فرص التعليم. وقد حصل أكثر من 2350 ناجياً و ناجية على تعويضات شهرية حتى نيسان 2025، لكن الفجوة ما تزال كبيرة بين النص القانوني و حاجات الضحايا. فالتعويض المالي ضروري، لكنه لا يعوض غياب المفقودين، و لا يضمن وحده العلاج النفسي المتخصص، و لا يحل مشكلة السكن و العمل و التعليم، و لا يجيب عن الأسئلة القانونية و الاجتماعية المعقدة المتعلقة بالأطفال المولودين في سياق الانتهاكات. العدالة هنا يجب أن تكون شاملة، لا مجرد معاملة إدارية تنتهي بإصدار بطاقة أو راتب.
هناك أيضاً سؤال المحاسبة. لقد جرت محاكمات عديدة لأفراد ينتمون إلى التنظيم الإرهابي، لكن كثيراً منها ركز على العضوية أو الإرهاب، و لم يضع جريمة الإبادة و الاستعباد الجنسي في مركز الاتهام. وفي المقابل، قدمت محاكم أوروبية نماذج أكثر تقدماً عندما أدانت بعض المتهمين بالمشاركة في إبادة الإيزيديين و استعباد نسائهم و أطفالهم. هذا التفاوت يضع العراق أمام مسؤولية واضحة، و هي تطوير مسار قضائي وطني يحاكم الجرائم بأسمائها الحقيقية، و يحفظ الأدلة التي جمعها فريق التحقيق الدولي، و يضمن مشاركة الناجيات من دون تعريضهن لإعادة الصدمة أو الوصمة.
الذاكرة ضرورية، لكنها قد تتحول إلى طقس فارغ إن لم ترتبط بالحق في الحقيقة و العدالة و العودة الآمنة. المطلوب نصب تذكارية و مناهج تعليمية تحفظ ما حدث، لكن المطلوب أيضاً فتح المقابر الجماعية، و التعرف إلى الرفات، و إعادة الضحايا إلى أسرهم بكرامة، و البحث المنظم عن المفقودين، و حماية الشهود، و دعم النساء المعيلات، و ضمان تعليم الأطفال الذين فقدوا سنوات من حياتهم. كما يجب إشراك الإيزيديين، وخاصة النساء و الشباب، في إدارة سنجار و اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم.
برأيي المتواضع فإن الوفاء لضحايا الإبادة لا يكون بإعادة سرد المأساة مرة كل عام، بل بمنع استمرار نتائجها في الحاضر. المرأة الإيزيدية لا ينبغي أن تبقى محصورة في صورة الضحية، فهي ناجية و شاهدة و شريكة في إعادة البناء. و الطفل الإيزيدي لا يجب أن يرث الخوف و المخيم و فقدان الهوية، بل يستحق مدرسة آمنة و أسرة مستقرة و وطناً يعترف به كاملاً. في ذكرى الوجع، يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد للذاكرة أن تحفظ الجريمة فقط، أم نريد للعدالة أن تنهي آثارها؟