حقوق المرأة السعودية بين أصالة المنهج واستحقاق المستقبل: قراءة فكرية في كتاب عبدالله مطلق القحطاني



منى جداوي
2026 / 8 / 7

استهلال المعركة المعرفية: تحرير الحقوق من وصاية الغلو
لا يمكن للباحث المحقق أو السوسيولوجي الحاذق أن يقرأ التحولات الفكرية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية اليوم بمعزل عن سياقها التاريخي الممتد. إنها معركة وعي بامتياز، حُسمت إرادتها السياسية والاجتماعية تحت ظلال "رؤية 2030"، لتعلن الانعتاق التام من أيديولوجيا الانكفاء والتزمت التي طرأت على مجتمعنا لعقود. وفي هذا السياق الفلسفي الساخن، يأتيك كتاب "أصالة المنهج واستحقاق المستقبل" للمفكر والمؤرخ عبد الله مطلق القحطاني، ليقدم وثيقة فكرية بالغة الرصانة، تفكك بنيوياً الخطاب الصحوي الحركي الذي اتخذ من سلب حقوق المرأة وتهميشها ميدانه المفضّل لاستعراض وصايته وتمرير أجندته الحزبية الضيقة.
إن القراءة التفكيكية التي يطرحها القحطاني تأخذنا إلى ما وراء السطح؛ فـ "العودة إلى الإسلام الوسطي المعتدل" لم تكن مجرد مناورة سياسية، بل هي استرداد سيادي لجواز السفر المعرفي الحقيقي للمملكة، وإعادة هيكلة جذرية لبنية المجتمع يقع في قلبها —وبالضرورة المطلقة— استرداد الحقوق الشرعية والنظامية الكاملة للمرأة السعودية، والاعتراف بكفاءتها الفكرية والحضارية كشريك كامل الأهلية في صياغة الفضاءين العام والخاص.
أولاً: تفكيك "الذهنية الإقصائية" ونهاية عصر مصادرة الحقوق
لقد عانت المرأة السعودية طويلاً من قسوة الخطاب "المؤدلج" الذي حاول جلب تفسيرات فقهية بشرية، ولدت في عصور الانحطاط والركود الحضاري، ليفرضها كأنها ثوابت عقدية لا تقبل النقاش، مستهدفاً بالدرجة الأولى حقوقها الأساسية. حُوصرت الأنثى خلف أسوار من التوجس والشك، وصُوِّرَ نيلها لحقها في التنقل والعمل والتعبير عن فكرها، وكأنه تهديد وشيك لفضيلة المجتمع وأمنه الأخلاقي.
وجاء كتاب الباحث القحطاني ليمارس شجاعة المراجعة التاريخية والمصارحة الفكرية الحتمية، مسلطاً الضوء على زيف هذا الاختطاف الفكري الطارئ الذي صادر حقوق المرأة باسم الدين. يبرز الكتاب كيف أن المنهج السعودي الأصيل منذ عهد التأسيس كان منهجاً يتسم بالمرونة، وفقه النوازل، وقبول آليات التحديث دون وجل. ومن هنا، فإن استعادة المرأة لحقوقها النظامية في السفر والأحوال المدنية، وحقها في قيادة مركبتها، هو نتاج طبيعي للموازنة الابتكارية التي تقودها الرؤية بين الأصالة والمعاصرة؛ حيث أُحلت قيم الإنتاج، والكفاءة، والمواطنة الكاملة المتساوية في الحقوق والواجبات، كبدائل حاسمة ونهائية للمزاج الحزبي القديم الذي اقتات طويلاً على تهميش نصف المجتمع البشري.
ثانياً: الحق في الفضاء الثقافي والاجتماعي الحركي
في الباب الثالث من الكتاب، يتناول المؤلف بالتحليل المعمق فلسفة "المجتمع الحيوي" و"برنامج جودة الحياة". وهنا تحديداً، يتقاطع فكر المؤرخ مع واقع الحقوق المشروعة للمرأة؛ إذ إن تحرير الفضاء الاجتماعي من غلظة التشدد أتاح للمرأة أن تمارس حقها الطبيعي في التعبير والإبداع والثقافة بعد عقود من الإقصاء الممنهج.
إن الانتقال بالمجتمع من حالة الانكفاء والتوجس من الآخر إلى حالة الحيوية والانفتاح المسؤول، مكن المرأة السعودية من انتزاع حقها في قيادة الحراك الفني، والأدبي، والمعرفي. لم تعد دور السينما، أو المسارح، أو المتاحف، أو المنصات الرقمية فضاءات محرمة عليها، بل غدت ميادين تستعرض فيها المرأة جدارتها الفكرية، وتثبت للعالم أن الحق في تذوق الجمال وممارسة الثقافة هو المطرقة المعرفية الأقوى لتلطيف المزاج الاجتماعي العام، وبناء جدار صد مجتمعي صلب يتكفل ذاتياً بطرد كل فكر إقصائي أو غوغائي يحاول النيل من مكتسبات الوطن وحقوق مواطنيه.
ثالثاً: حق الولاية والتدبير.. الأنموذج الحاسم للمرأة السعودية
لا يمكن استدامة أي تحول فكري ما لم يجد له حاضنة حية داخل الوجدان الجمعي، ولا يمكن الحديث عن حقوق حقيقية دون تمكين المرأة من حقها في صناعة القرار السيادي والتنموي. وهنا تبرز المرأة السعودية كصمام الأمان الحقيقي لاستدامة منهج الوسطية والاعتدال، من خلال ممارستها لحقوقها القيادية في ثلاثة أبعاد بنيوية:
حق الجلوس على منصة القضاء وفي السلك الدبلوماسي:
حينما نالت المرأة السعودية حقها في القضاء، وأدارت البعثات الدبلوماسية كسفيرة، وتولت المناصب القيادية في القطاعين المالي والتقني، لم تكن تحقق مجرد نجاح وظيفي؛ بل كانت تقدم صفعة معرفية لـ "الكهنوت الذكوري" وخطاب الوصاية المتزمت، مبرهنة على أن عقل الأنثى كامل الأهلية للولاية والتدبير والفصل في أعقد منازعات المدنية الحديثة، وأن استبعادها السابق كان "ندبة" في وجه التمدن فرضه المزاج القبلي المتخفي في مسوح الدين.
الحق في حماية عقول الأجيال (التحصين المعرفي):
المرأة هي المعلم الأول الذي يمارس حقه وواجبة في غرس مهارات "التفكير النقدي" التي نص عليها الكتاب. إنها تحمي طفلها وشابها من الانجراف وراء سعار "الخوارزميات الرقمية" وغوغائية منصات مثل "التيك توك" التي تشتت الانتباه وتجرف الوعي، وتدربه ذاتياً على تفكيك المغالطات المنطقية ودعاوى التحريض والشحن العاطفي التي يمارسها غلاة الفكر الحركي عبر الفضاء السيبراني المفتوح.
الحق في تمثيل القوة الناعمة ونشر ثقافة التعايش:
في قطاع الحج والعمرة والخدمات اللوجستية والسياحية، تمارس الشابة السعودية اليوم حقها في العمل والريادة، وتقف بوجهها المشرق، وبشاشتها، وإتقانها للغات العالم، لتقدم لضيوف الرحمن وزوار المملكة الأنموذج الأسمى لسماحة الإسلام ويسره وأخلاقه الإنسانية الرفيعة، ملغية بوجودها الواعي كل الصور النمطية السلبية التي حاولت وسائل الإعلام الخارجية إلصاقها بها لعقود.
رابعاً: خاتمة واستشراف أفق التمدن الخليجي
إن كتاب "أصالة المنهج واستحقاق المستقبل" للمفكر عبدالله مطلق القحطاني لا يقدم ترفاً فكرياً، بل يضع مرآة الحقيقة أمام المجتمع؛ ليؤكد أن النهضة الشاملة واستئناف البناء الحضاري لا يمكن أن يستقيما بجسد مشلول يُعطل نصف طاقاته البشرية ويصادر حقوقها الأساسية المشروعة.
الوسطية والاعتدال في فكر الرؤية، وفي ثنايا هذا السفر التاريخي الرصين، ليسا شعارين طارئين للمرحلة، بل هما "البنية التحتية الفكرية والأخلاقية" الحاضنة لحقوق المرأة والضامنة لعبور المملكة الآمن والنوعي نحو المستقبل. لقد كسر الاعتدال الأغلال الفقهية البشرية المتزمتة، لتنهض المرأة السعودية اليوم، فخورة بجذورها العريقة، نائلةً لكامل حقوقها ومواطنتها، وممسكة بكل ثقة واقتدار بزمام المبادرة لتشييد فضاء تنموي يتسع للإنسان، كل الإنسان، دون إقصاء أو تهميش.