المرأة الإيرانية.. حين يتحول القهر إلى قوة تغيير



سعاد عزيز
2026 / 8 / 10

منذ أكثر من 47 عاما، لم تكن المرأة الإيرانية تواجه مجرد تمييز اجتماعي أو قيود تفرضها منظومة دينية متشددة، بل كانت في مواجهة مشروع سياسي جعل من إخضاعها جزءا من إخضاع المجتمع بأسره. فمنذ وصول الحكم الكهنوتي إلى السلطة، أصبحت المرأة هدفا لقوانين ومؤسسات وأجهزة أمنية تتدخل في لباسها وحياتها وخياراتها، وكأن السيطرة عليها شرط للسيطرة على البلاد.
لكن ما لم يدركه أصحاب هذا المشروع أن المرأة التي تسلب حريتها لا تتحول بالضرورة إلى امرأة خائفة؛ بل قد تتحول إلى أكثر خصوم النظام إصرارا.
وهذا ما حدث في إيران.
فعلى امتداد العقود الماضية، حاول النظام أن يفرض على المرأة كيف ترتدي وكيف تتصرف وكيف تعيش، وأن يضع حدودا لطموحها وحضورها. لكنه، في المقابل، صنع جيلا من النساء أدركن أن المعركة ليست حول الحجاب وحده، وإنما حول الحق في الاختيار وحق الإنسان في أن يعيش بعيدا عن وصاية السلطة.
ولهذا لم يكن شعار "المرأة، الحياة، المقاومة" مجرد هتاف احتجاجي، بل خلاصة عقود من الغضب والمقاومة. فالمرأة التي ترفض الحجاب الإجباري لا ترفض قطعة قماش فحسب، وإنما ترفض أن تكون الدولة وصية على جسدها وحياتها. والمرأة التي تنزل إلى الشارع رغم مخاطر الاعتقال توجه رسالة واضحة إلى النظام: لم تعد طاعتنا أمرا مضمونا.
وفي هذا السياق، برز دور المقاومة الإيرانية التي جعلت من مشاركة المرأة في النضال السياسي والتنظيمي أحد ملامح مشروعها لمواجهة الحكم الكهنوتي. فالمرأة، في هذه التجربة، لم تعد مجرد ضحية للقمع أو صاحبة مطالب حقوقية، وإنما أصبحت فاعلا سياسيا وشريكا في صناعة التغيير.
ويبرز هنا اسم مريم رجوي بوصفها إحدى أبرز القيادات النسائية في المعارضة الإيرانية. فقد جعلت من تحرير المرأة ومساواتها بالرجل محورا في خطابها السياسي، وربطت بين تحرير المرأة وإنهاء نظام الوصاية والقمع. كما أن الحضور النسائي في مواقع القيادة داخل المقاومة الإيرانية يقدم، بالنسبة إلى أنصارها، نموذجا لامرأة تنتقل من موقع الضحية إلى موقع القيادة والمسؤولية.
لقد استخدم النظام السجن والاعتقال والملاحقة والعنف لإعادة المرأة إلى دائرة الخوف، لكنه لم يستطع إلغاء حقيقة ترسخت خلال العقود الماضية: المرأة الإيرانية تغيرت، والمجتمع الإيراني تغير معها.
ومن موقعنا كنساء عربيات، لا يمكن أن ننظر إلى هذه المعركة من بعيد. فالتجربة الإيرانية تطرح سؤالا يتجاوز حدود إيران: ماذا يحدث عندما يتحول الدين من إيمان شخصي إلى أداة سياسية للسيطرة على حياة الناس؟ والجواب واضح: أول من يدفع الثمن هي المرأة، لكن المجتمع كله يدفع الثمن في النهاية.
لقد أراد الحكم الكهنوتي أن يجعل من المرأة عنوانا لقوته، فإذا بها تتحول إلى عنوان لضعفه.
فكل امرأة ترفض الخضوع تكسر شيئا من جدار الخوف، وكل فتاة ترفع صوتها تضعف سلطة القمع، وكل أم ترفض أن تورث ابنتها الخوف تزرع بذرة جديدة للمستقبل.
واليوم لم يعد السؤال ما إذا كانت المرأة الإيرانية قادرة على المقاومة؛ فقد أثبتت ذلك بالفعل. السؤال هو: إلى متى يستطيع نظام أن يحكم مجتمعا بينما نصف هذا المجتمع لم يعد يقبل أن يعيش تحت الوصاية؟
إن المرأة الإيرانية لا تطالب بامتياز، بل تريد أن تكون إنسانة كاملة الحقوق. وحين يصبح هذا المطلب تهديدا لنظام بأكمله، فإن المشكلة ليست في المرأة، بل في نظام يخاف من امرأة حرة.
ولهذا أصبح نضال المرأة الإيرانية أحد العناوين الكبرى لمعركة الحرية في إيران، وربما أحد مفاتيح التغيير فيها.