|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
كوثر الباجي
!--a>
2026 / 8 / 15
تخيّل نفسكِ امرأةً في موسكو، صيف عام 1918. قبل أشهر قليلة، كنتِ تُباعين في زواج مقابل بضعة روبلات، لا حق لكِ في رفض العريس الذي اختاره أبوكِ، ولاحق لكِ في طلب الطلاق إن تحول بيتكِ إلى سجن. أطفالكِ “غير الشرعيين” – إن وُلدوا خارج عقد زواج مُسجَّل – يُحرمون من اسم أبيهم ومن حقوقهم. عملكِ في البيت لا يُحتسب عملاً، وثروتكِ – إن وجدت – ملك لزوجكِ.
ثم جاءت الثورة…
كأنكِ تعيشين طوال عمركِ في سجن، ثم يُفتح لكِ الباب فجأة، لا لتخرجي إلى الشارع فحسب، بل لتدركي أنّ السجن بأكمله كان وهما، وأنّ جدرانه لم تكن من حديد بل من تقاليد وأعراف. هذا هو جوهر التحرر الماركسي–اللينيني للمرأة. فهو لم يكن مجرد منح لحقوق شكلية، بل كان “صحوة وجودية“.
وفي حين اكتفت الليبرالية لاحقاً بمنح المرأة حق “كسر السقف الزجاجي” في مكاتب الشركات، انطلقت البوصلة الماركسية-اللينينية لتهدم الجدران الحجرية للمنزل. ففي حين تلتفت الدنيا اليوم حول مساواة شكلية في الرواتب أو تمثيل نسائي في مجالس الإدارة، تغوص الرؤية الماركسية في أعمق جرح في تاريخ البشرية، إنها رحلة في قلب الزلازل التشريعية والفكرية التي حوّلت المرأة من “أداة“ في ظل الملكية الخاصة، إلى “صانعة“ في التجارب الاشتراكية.
من المطبخ إلى التحرر: الجذور الاقتصادية لاضطهاد المرأة
قبل أن أغوص في التجارب التاريخية، أودّ أن أتساءل: لماذا كانت المرأة، عبر آلاف السنين، في موقع الضعف الاقتصادي والاجتماعي؟ الجواب، في القراءة الماركسية، لا يكمن في “طبيعتها البيولوجية” ولا في “ثقافة الشرق” أو “ثقافة الغرب”. الجواب يكمن في “المطبخ”. نعم! في المطبخ.
عندما حوَّل المجتمع البشري – مع نشوء الملكية الخاصة – العمل المنزلي من نشاط جماعي في القرية إلى واجب خاص للمرأة داخل جدران البيت، أُنتج انقسامٌ قاتل: الرجل يذهب إلى العمل (المنتج، المرئي، المأجور )، والمرأة تبقى في المنزل (غير المنتج، غير المرئي، غير المأجور). هذا الانقسام، كما بيَّن فريدريك إنجلز في كتابه “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة“، لم يكن تقسيم العمل عاديّا، بل كان “اضطهادا اقتصاديا منظما” حوّل المرأة إلى مجرد ماكينة لإنجاب الورثة وحراسة الميراث.
ما عبّر عنه إنجلز بقوله: “الهزيمة التاريخية للجنس النّسائي“
ولنكن واضحين: التحرر الحقيقي لا يتحقق بمجرد تغيير الأعلام. أدرك لينين الذي كان يقرأ إنجلز بتمعّن، و لم يكتفِ بالشعارات، أنّ المرأة لن تكون حرة وهي تكافح من أجل لقمة العيش، ثم تعود لتستعبد نفسها في “ورديتها الثانية” بالمطبخ. لذا، لم يكن التحرر الحقيقي ليتم إلا بمشاركتها في “الإنتاج الاجتماعي”، وتحويل الواجبات المنزلية إلى “عمل عام” تقوم به المؤسسات الاجتماعية.
بمعنى آخر: لماذا يجب أن تكون رعاية الأطفال والطهي والتنظيف عبئا فرديا على كاهل المرأة، بينما يمكن للمجتمع أن يتقاسمه؟
فالمرأة التي تعمل ثماني ساعات في المكتب، ثم تعود لتطبخ وتنظف وتربي الأطفال وحدها، لا تتمتع بـ”حرية”، بل تُحمل عبئا مضاعفا وذلك ما نعيشه يوميا. وهذا بالضبط ما حاولت التجارب الاشتراكية تغييره.
من قانون الأسرة إلى كتائب النساء: ثورة التحرير في روسيا السوفييتية
لم تكتفِ التجارب الاشتراكية بالخطب الحماسية، بل أرسلت القانون لتجريف قرون من التقاليد الأبوية. تصوَر امرأة فلاح روسية ، تكتشف فجأة أنّ زواجها لم يعد “عقد بيع” يبرمه رجل الدّين مقابل مهر، بل هو “ميثاق رضا” بين ندّين.
لم يكد يبرد رماد ثورة أكتوبر، حتى أصدر البلاشفة قانونا للأسرة في سبتمبر 1918 هزّ أركان الإمبراطورية. ألغى القانون التفريق بين الأطفال الشرعيّين وغير الشرعيّين، ومنح المرأة حق الطلاق بقرار منها، وسمح لها بامتلاك مالها الخاص. وعندما ألغى البلاشفة “المهر”، لم يكونوا يحاربون تقليدا اجتماعيا فحسب، بل كانوا يضربون في صميم منطق السلعة، رافضين تحويل المرأة إلى بضاعة تُباع وتُشترى وعندما أقرُّوا حقّ الطلاق من طرف واحد، لم يكونوا يشجعون على تفكك الأسرة، بل كانوا يمنحون المرأة – التي كانت تُحبس في علاقات زوجية قمعية – مخرجا من السجن.
لكن الإنجاز الأعمق كان خارج قاعات المحاكم. ففي السنوات اللاحقة، انتشرت في الاتحاد السوفييتي شبكةٌ واسعةٌ من دور الحضانة ورياض الأطفال. لم تكن هذه مجرد “خدمات”، بل كانت آليةً لتحريرٍ اقتصاديٍ حقيقي: المرأة التي كانت تُقضّي عشرين ساعة يوميا بين الطبخ وتربية الأطفال، صارت تستطيع أن تدرس الطب والعلوم، أو أن تعمل في المصنع وفي الأرض، أو أن تصبح مهندس وباحثة.
في ذروة التجربة السوفييتية، كان الاتحاد السوفييتي يضم نسبةً من النساء في الهندسة والعلوم والطب والتعليم العالي تفوق نظيراتها في معظم دول العالم. لم يكن هذا “تمكينا” بالمعنى الإعلاني الحديث، بل كان تحولاً بنيويا: المرأة دخلت الإنتاج الاجتماعي، وبالتالي غيّرت موازين القوى داخل البيت.
وهنا تبرز عبقرية المفكرة والثورية “ألكسندرا كولونتاي“، التي أدركت أنّ القانون وحده لا يكفي. دعت كولونتاي إلى ثورة في “الأخلاق والعلاقات”، مؤكدة أنّ العواطف يجب أن تتحرر من حسابات الملكية والمصلحة الاقتصادية. لم يكن “الحب الحر” الذي دعت إليه دعوة للانحلال كما روّج له أعداء الثورة، بل كان صرخة بأنّ العلاقات الإنسانية يجب أن تُبنى على الندّية والاحترام المتبادل، لا على تبعية المرأة المالية للرجل.
ولم تكن هذه الأفكار حبرا على ورق، بل نزلت إلى أرض الواقع عبر“كتائب النساء“(1) (Zhenotdel) جمعية زينوتديل التي تأسست سنة 1919 على يد الثوريات، ألكسندرا كولونتاي وإنيسا أرماند.
استحضر نساء بوشاحهن الأحمر يقطعن آلاف الكيلومترات على ظهور الخيل إلى صحاري آسيا الوسطى النائية. لم يكن هدفهنّ مجرد التعليم، بل شنّ حرب شعواء على ممارسات قاسية كالزواج القسري، ومهر العروس (الذي كان يبيع الفتيات)، وتشويه الأعضاء. واجهن مقاومة شرسة من رجال الدين والإقطاعيين، واستشهدت بعضهن دفاعا عن حق الفتيات في رفض الزواج من شيوخ طاعنين في السن، في ملحمة نسائية أثبتت أنّ تحرير المرأة يحتاج إلى شجاعة تفوق شجاعة المعارك العسكرية.
وفي عام 1920، كان الاتحاد السوفيتي أول دولة في العالم تُقنّن الإجهاض، ليس كوسيلة لتحديد النسل فحسب، بل كإجراء صحي آمن يحمي المرأة من الموت في أزقة الإجهاض السري، ويؤكد سيادتها المطلقة على جسدها.
لم تتوقف عدوى التحرر عند حدود الاتحاد السوفياتي، بل انتقلت لتضرب أعتى الأنظمة الأبوية في العالم.
في الصين.. حين حملت المرأة نصف السماء
أنتقل بكم بالمشهد إلى قرى الصين، عام 1950. هناك، كانت المرأة الفلاحة تُباع وتُشترى باسم “الزواج المدبَّر”. كانت تعيش تحت سلطة ثلاثية: أبوها، زوجها، وإذا ما تُوفي الزوج، حموها. لم يكن لها حق في الأرض التي تعمل فيها، ولا حق في رفض الزوج الذي يُجبرها عليه أبوها.
ثم جاء قانون الزواج الصيني عام 1950. وكان، في سياقه، ثورةً اجتماعيةً صارخة: ألغى الزواج المدبَّر، حدَّد سن الزواج (18 للمرأة، 20 للرجل)، ومنح المرأة حق الملكية الفردية للأرض بعد الإصلاح الزراعي. لكن الأهم من ذلك كله: منحها حقّ الطلاق في حالات الزواج القسري.
تخيّل معنى ذلك في قرية صينية نائية: امرأة تستطيع أن تقول “لا” لعريس اختاره أبوها، وأن تطلب الطلاق إن تحوّل زوجها إلى سجّان. لم يكن هذا مجرد “حق قانوني”، بل كان إعادةً لتوزيع السلطة داخل الخلية الاجتماعية الأولى: الأسرة.
ترافق هذا القانون مع حملة ضخمة لمحو الأمية، حيث تعلمت ملايين الفلاحات القراءة والكتابة لأول مرة. وبحلول الستينيات، كانت المرأة الصينية تعمل في المصانع، والحقول، وحتى في الفضاء لاحقا. لقد تحوّلت من “ظل” إلى “نصف السماء”.
في كوبا.. الثورة في “غرفة المعيشة“
أمّا في جزيرة كوبا، بعد ثورة 1959، لم يكن التحرير شعارا فارغا يُرفع في المهرجانات. كان مشروعا ملموسا. فقد أُلغيت الأمية بين النساء بشكل شبه كامل، وأصبح التعليم مجانيا وإلزاميا. لكن الإنجاز الأعمق كان في قانون الأسرة عام 1975: مساواة كاملة في الزواج والطلاق والميراث، وإلغاء التمييز في الأجور.
وهنا يبرز الدور المحوري لـ “الاتحاد النسائي الكوبي” (FMC) بقيادة فيلما إسبين المهندسة الكيميائية. لم يكن الاتحاد مجرد منظمة احتفالية، بل كان “سيفا تشريعياً” و”درعاً اجتماعياً”. حين واجهت كوبا تحديات “ثقافة الماتشو” (التسلط الذكوري)، تحرك الاتحاد لكسر جدار الصمت حول العنف الأسري، مُنشئا “بيوت التوجيه” التي تعتبر أنّ ضرب المرأة ليس “شأناً خاصا”، بل هو جريمة ضد الثورة والمجتمع.
في “قانون الأسرة” الكوبي (بتعديلاته الجذرية عام 2022)، حدث ما لم تجرؤ عليه دول كثيرة: نصّ القانون صراحة وبشكل ملزم على أنّ “الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال هي مسؤولية مشتركة”. ولم يكتفِ بذلك، بل وسع تعريف الأسرة ليشمل الأسر أحادية الأمومة، وكبار السن، في اعتراف قانوني بتنوع الواقع المعيشي.
في فيتنام وأفريقيا.. التحرر الوطني والتحرر النسائي
في فيتنام وأفريقيا، لم تكن المرأة مجرد ضحية للاستعمار، بل ركيزة التحرير. ففي فيتنام، حملت البندقية في أدغال حرب التحرر ضد الفرنسيين والأمريكيين، وعملت ممرضة في الجبهات، وفلاحة في الحقول، ثم شاركت في إعادة البناء عبر “اتحاد النساء” الذي قاد حملات محو الأمية وإعادة الإعمار وبناء التعاونيات الزراعية، فكان “قانون الزواج والأسرة” عام 1975 تتويجا لذلك النضال وكرّس المساواة الكاملة. وفي موزمبيق وأنغولا، قاتلت النساء إلى جانب الرجال (2) في صفوف “FRELIMO” و”MPLA” ، فأصدرت موزمبيق عام 1975 قانون أسرة ثوريا ألغى الزواج القسري التقليدي، ورفع سن الزواج، ومنح المرأة حق الطلاق والميراث المتساوي، فيما دُمجن في التعاونيات والإدارة المحلية والتعليم. وهكذا، لم تكن هذه القوانين نصوصا غربية مستوردة، بل إعادة اكتشاف للمرأة الأفريقية والفيتنامية كشريكة في الإنتاج والمجتمع، حيث أنّ من حملت السلاح لتحرير وطنها، لم تكن لتقبل بالعودة إلى التبعية في بيتها، بل سعت إلى استعادة دورها الذي كان مهمشا تحت الاستعمار والتقاليد الأبوية المستوردة..
ألمانيا الشرقية: حين صار العمل حقا لا استثناءً
أما في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، لم تكن المساواة مجرد نص في الدستور. فقد شجَّعت الدولة بشكل فعّال مشاركة المرأة في الإنتاج من خلال شبكةٍ واسعةٍ من دور الحضانة، وإجازات أمومة مدفوعة الأجر، وتطبيق صارم لمبدأ “المساواة في الأجر مقابل العمل المتساوي”.
النتيجة؟ لم تكن المرأة في ألمانيا الشرقية مجرد “عاملة”، بل كانت مشاركةً فاعلةً في بناء المجتمع، بما يمنحها موقعا اقتصاديا يُترجم إلى استقلالية اجتماعية وسياسية.
اجتماعيّة الرعاية: التحرير الحقيقي في مواجهة عبودية السوق
من أبرز ما يميز الرؤية الماركسية-اللينينية، والتي تجسدت في هذه التجارب ، هو إدراكها أن تحرير المرأة لن يكتمل بمجرد منحها حق العمل، ما دامت تعود مساءً لتستأنف عملها في المنزل. لذا، أطلقت هذه التجارب مشروعا طموحا لـ “اجتماعية الرعاية”.
لنتصور معا مجتمعا تتحول فيه الأعمال المنزلية من أعباء فردية معزولة إلى خدمات عامة يديرها المجتمع.
في المدن السوفيتية والصينية وألمانيا الشرقية، شُيدت شبكات ضخمة من دور الحضانة المصنعية، ومغاسل عامة، ومطاعم عمالية. لم يكن هذا التوجه مجرد رفاهية أو تدخلاً بيروقراطيا، بل كان جوهر الثورة؛ يعني تحويل المرأة من “خادمة خاصة” لزوجها، إلى “مواطنة حرة” تخدم مجتمعها وتُخدم. لقد سرق هذا المشروع ساعات العمل المنزلي غير المأجور من قبضة التقاليد، وحوّلها إلى وقت للتعليم، للراحة، وللنضال السياسي.
اليوم، وفي ظل موجات عالمية تسعى لإعادة المرأة إلى “الزاوية الضيقة” في المنزل، يقف الإرث الماركسي-اللينيني شامخا كجبل. وفي عصرنا الحالي، حيث تسعى الرأسمالية النيوليبرالية إلى تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي، يعود بريق التجربة الاشتراكية ليكشف البديل.
انظر حولك اليوم: تُعرض عليك صورة “المرأة المُحرَّرة” في إعلان سيارة، أو في حملة تسويقية لماركة ملابس. “كوني قوية”، “اختاري حريتك”. لكن ما الذي تختاره المرأة فعلياً في ظل النيوليبرالية؟ أن تعمل بدوام كامل، ثم تعود لتعمل دواما ثانيا في المنزل. تدفع من جيبها لرعاية أطفالها في دور حضانة باهظة الثمن، وتتحمل عبء رعاية والديها المسنين. “التمكين” في هذا السياق هو مجرد خدعة: تمكين المرأة لتكون “عبدة مزدوجة” بدلاً من “عبدة واحدة”.
أما في الدول النامية، فالوضع أسوأ. قوانين أسرة مجحفة تحرم المرأة من حق الطلاق أو الحضانة، وتحت ذريعة “الحفاظ على الهوية الثقافية”، يتم تبرير ممارسات كزواج القاصرات والعنف الأسري. الماركسية تقول: المشكلة ليست في “الرجل الظالم” فحسب، ولا في “المرأة الضعيفة”. المشكلة في نظام اقتصادي يحتاج إلى وجود ناس “رخيصين” (غالباً نساء) يقومون بأعمال الرعاية التي لا تُحتسب ولا تُدفع. لذلك، لا يمكن حل قضية المرأة بـ”توعية” أو “ندوات”، بل بتغيير القواعد الاقتصادية التي تُنتج هذا الظلم.
روح الإنجاز.. ما الذي تعلمته من هذه التجارب؟
ما الذي قدمته هذه التجارب للمرأة ؟ لم تقدم لها نظريات فحسب، بل قدمت لها “الحياة”. يمكن تلخيص روح هذا الإرث العظيم في مشاهد حية:
▪️ كرامة الاستقلال: حين تقاضت المرأة عاملة المصنع السوفيتي أو الفلاحة الصينية أول أجر لها، وُضع في يدها مباشرة. كان ذلك الأجر هو “الهوية” الجديدة للمرأة.
▪️ فكّ أسطورة العبء المزدوج: لم تترك الاشتراكية المرأة لتختنق بين المصنع والمطبخ. بل شيدت دور حضانة تضحك فيها الأطفال. كانت هذه الخدمات هي “الوقت المسروق” الذي أُعيد للمرأة.
▪️ تغيير الوعي: الأهم من كل هذا، أنها غيرت “صورة المرأة” في المخيلة الجماعية. من خلال السينما والأدب، لم تعد المرأة هي “الجسد المُستعرض” أو “الأم الضحية”، بل أصبحت “البانية”، والمهندسة، والطيارة، والبطلة.
كلمة أخيرة..
لقد أثبتت تلك التجارب، بكل إيجابياتها ونقاط قصورها، أنّ تحرير المرأة ليس “منحة” تُمنح من فوق، بل هو “بنية” تُهدم وتُبنى من جديد. لقد علمتنا أنّ الأسرة الحقيقية لا تُبنى على التبعية والخوف، بل على الندّية والحرية. وأنّ الطريق إلى قلب المجتمع السعيد، لا يمر عبر قاعات البرلمانات فحسب، بل يبدأ من داخل المطبخ، ومن تقاسم الأدوار، ومن الاعتراف بأن المرأة هي “نصف السماء” الذي من دونه، لا يمكن للأرض أن تدور.
إنّ قراءة هذا الإرث اليوم ليست مجرد تمرين تاريخي، بل هي دعوة لإعادة اكتشاف أنّ التحرر الحقيقي ممكن، وأنّ الدولة لها دور محوري في ضمان هذا التحرر، ليس فقط عبر القوانين، بل عبر توفير البنية التحتية الاجتماعية التي تجعل المساواة “حقيقة مادية” وليست مجرد “شعار تسويقي“. فالمرأة التي تُمنح حقها، لا تصبح “مواطنة” فحسب، بل تصبح “إنسانا كاملاً“، والمجتمع الذي يحترم نصفه الآخر، ويحرره من أصفاد الحاجة والتبعية، هو وحده المجتمع الذي يستحق أن يُسمى “متحضرا“.
هوامش:
“كتائب النساء” (Zhenotdel) جمعية زينوتديل
https://johnriddell.com/2020/09/29/soviet-russia-zhenotdel-and-womens-emancipation-1919-1930/
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|