(عوض دوخي)



مقداد مسعود
2026 / 8 / 19

عوض دوخي
2-1
14/ آب/ 2026
إلى أخويّ محمد ومحمود (طيب الله ثراهما)
في سبعينات القرن الماضي في يوميّ الخميس والجمعة، نرى معظم مطربيّ الكويت في البصرة، نلمحهم في مطعم علي بابا أو مطعم الركن الهادي كلاهما في شارع الوطن، أجمل شوارع البصرة يومها، والمطعمان من أرقى المطاعم في العراق وليس في البصرة فقط.
(*)
صوت عوض دوخي مِن أحب الأصوات لدى عائلتي، وقد أهدى عدنان صبري. الصحفي الفلسطيني في مجلة (الطليعة الكويتية) كاسيتين بصوت عوض دوخي كاسيت الأغاني الكويتية والثاني فيه أغاني أم كلثوم بصوت عوض دوخي. أهداهما إلى صديقهِ الحميم شقيقي محمود في 1971 وكان بيتنا الكبير في مناوي باشا يصدّح بصوت عوض دوخي.
من مسجلين.
(*)
قبل أن أقرأ رواية الأستاذ طالب الرفاعي، استمعتُ أكثر من مرة للأعمال الغنائية للمبدع الخالد عوض دوخي (طيّب الله ثراه).وأثناء كتابتي هذه كان يعينني عوض دوخي بصوتهِ، فصوته غمرنا بضوءٍ أزرق خافت، في زمن الخير والإبداع واليسار العربي يومها كان مزدهراً.
(*)
شخصياً الكتب التي قرأتها في السبعينات خفت بريقها في ذاكرتي، وكذلك أصوات الغناء، لكن صوت عوض دوخي يتجدد شبابهُ مثل السجاد الكاشان. شخصياً أرى صوته ينساب نحو المستمع مثل أجراس الينابيع. وفي هذا الوقت المدجج و الصخّاب، يحتاج المستمع المتحصن بعزلته ِ المبصرة والمؤتلفة، أن يتحصن بصوت عوض دوخي.
(*)
في 24/10/ 2017/ الحوار المتمدن لي مقالة عنوانها (الأغنية والرواية/ طالب الرفاعي وعلي المقري).
طالب الرفاعي وظّف في روايته ( في الهنا) أغنية محمود الكويتي (قلت أوقفي لي وأرفعي البوشيّة خليني أروي ضامر العطشاني) ص7. الإيقاع هو السامري لون بديع من ألوان اللحن الكويتي. الروائي علي المقري في روايته(حرمة) وظّف أغنية(سلو قلبي غداة سلا وتابا لعل على الجمال له عتابا) قصيدة شوقي وغناء أم كلثوم وألحان رياض السنباطي في 1946. وقبل هذه المقالة، نشرت قراءة نقدية عن رواية (في الهنا) 26/ 8/ 2017 وسؤالي إلى المؤلف: هل خطرَ في باله وهو يستدعي المطرب محمود الكويتي في أوّل صفحة من روايته، ملتقطاً مطلع أغنية من تلحين حمد الرجيب ل(سامرية) الشاعر خميس بن محمد الشمّري؟ والرواية كُتبت وصارت كتابا مطبوعاً في 2014 وأنا اشتريتُ نسخةً في 23/ 8/ 2017 ونشرتُ مقالتي عنها في 26 من الشهر نفسه والأن وفي نفس الشهر آب أكتب عن رواية (دوخي) للمؤلف نفسه!! هل خطرت في باله الكتابة عن عوض دوخي؟ هل هناك مَن حفزته للكتابة الروائية عن دوخي. رواية (في الهنا) يومض ويخبو صوت المطرب الهادئ محمود الكويتي. حبات مسبحة الرواية هي رقصة السامري .
غناء السامري بشهادة الروائي (يذكّرني بأمي وصديقتها) لكن الروائي سيهدي روايته عن عوض دوخي لأمه (أمي الغالية، موضي الفهد، إليك مرة جديدة ودائماً) بعد سنوات ليست بالقليلة.. غناء السامري يسحب المؤلف/ السارد إلى امرأة ترتدي الثوب الزري وترقص رقصة السامري تلك الرقصة الهادئة والليّنة مع المقطع الغنائي التالي للمطرب محمود الكويتي(الخد ياضي لي برق وسميه/ والعين تشبه ساعة الرباني)ص75. بعد مسافة من صفحات الرواية نصغي: للمقطع الثالث:
(قلت إلعبي قالت أنا رياضية/ أبا تعلم لعبة الشباني) ص114
في ص155 يأتي المقطع الأخير من الأغنية ( ملبوسها النفنوف واللحميّة / والثوب شاله ردفه القيطاني) شاعر الأغنية والملحن والمطرب الشهير هذا النسق الثلاثي مرتهن برقصة الفتيات وخفر عيونهن يتهادين بأثوابهن ولفح شعورهن. أي نداء يطلق الجسد المتهادي وأي خفة تحمله للذوبان في اللحن!
(مكونات الرواية عوض دوخي)
في أهداب النص وجدتُ ورشةَ عملٍ متماسكةٍ بقيادة الروائي طالب الرفاعي، ومن باب الوفاء ثبّت الروائي أسماء كل الذين قدموا لهم العون في هذا الإنجاز الرائع. وفي نهاية الرواية هناك عنوان فرعي (ذخيرة الحكاية) بسعة تبدأ في ص257 إلى ص 266.
(يومان)
الزمن الطبيعي للرواية الأحد 16 ديسمبر 1979 الساعة 30: 10 مساءً وتنتهي الاثنين 17 ديسمبر 1979 الساعة 44: 01 صباحاً. من خلال هذه الساعات يكون التبئير الروائي الفذ لحياة المغني الخالد عوض دوخي. والرهان في الرواية يكون على الزمن النفسي الذي يعيشه/ يكابده ُ المحتضر عوض دوخي. ونحن نقرأ زمنين ماضيين في زمن كتابة الرواية التي انتهى منها طالب الرفاعي في (الكويت، الأربعاء، 9 يوليو 2025) الطبعة الأولى 2025 طبعة دار الشروق الأولى 2026. أنا القارئ قرأت الرواية مراتٍ في شهر آب 2026 الآن أكتبها بقراءة ٍ نوعية ٍ
(الريح: شخصية رئيسة)
تبدأ الرواية في سطرها الأوّل (مَنْ تنادي الريح؟) (لماذا أشتدّ عصفها؟) وإذا كانت الرواية مِسبحةً، فالريحُ خيط خرزات المسبحة وعلى إيقاع تمضي سيرورة الرواية. في 25 دوخي :(أشعر وكأن دويّ ريحٍ يملأ أُذنيّ) في ص27 يتمنى دوخي أن يخبر عبدالله ابن خالته عن القرين، لكن المانع حسب ما يعتقد دوخي هو (لكن دوي الريح يملأ أذنيّ ويُضايقني) تزامن نحس بين صوتين: صوت عوض وصوت الريح
(ربما بعد العصر فجأة انحبس صوته ولم يبقَ منه سوى نظرات عينيه بأنفاسه التعِبة)/ (جنون الريح بعويلها يزداد خارج الغرفة/ 31) (غريب! كأن الريح تشتدُّ أكثر في الخارج) المتصدي الأوحد لصوت الريح هو (صوت المقرئ الشجي يملأ الغرفة/ 35)
(نبض يخبو)
أنفاس عوض في تباطؤ. مازال المريض بوعيه. لكنه يُصارع تعب أنفاسهُ بخفق قلبهِ: إذن عوض في ليلتهِ الأخيرة. الريح تعوي خارج البيت. الطبيب غادر غرفة عوض دوخي الكل خارج الغرفة. أمه واقفة تنظر لولدها.. حلّ صمتٌ في الغرفة، وحضر عواء الريح عالياً في الخارج. يحرس احتضار عوض. عبد الله ابن خالته. الريح مشتطّة بجنونها في الخارج. الريحُ : شفرة هي تفكك أقفالها بالتدريج السردي: قطرة .. قطرة. قبل أن يثقل الصمتُ لسان عوض، خاطب ابن خالته
(أريد سماع تلاوة القرآن من الحاج محمود عبد الوهاب)
هنا نقلة لزمن آفل. منذ مطلع شباب عوض كان يهيم بصوت هذا المقرئ، وصار يقلّده حين يتلو القرآن.
(صراع الاضداد)
توقفت عميقا في هذه الوحدة السردية المذهلة (ساد الغرفة َ صمتٌ، يبخّره صوت المقرئ الشجي! ويُعكره عويل الريح بصراخها في الخارج!).. الغرفة بين تجاذبين أعني صمت الغرفة تحديداً: صوت المقرئ لجماليتهِ، مزدوج القيمة فهو صوتٌ معلّمٌ بعلامةٍ (الشجي) ولهذا الصوت فاعلية البخور.
والنتيجة أصبح صمت الغرفة مكتنزاً بالعطايا. لكن هذا الكنز يعكّرهُ : عويل الريح. في هذه الحالة المكان والمكين مخترقان من قبل الريح.
(شخصية رئيسة أخرى)
هنا وجيز تاريخ السجائر عندهما عوض وابن خالته(معاً بدأنا التدخين أنا وعوض منذ بدايات شبابنا، كان،، التتن،، وسجائر اللف بمتعة لفّ ورقها الرقيق، ومن ثم جاءت السجائر دون فلتر، وأخيراً وصلت الأنواع الأجنبية/ ص24) يمكن للقارئ أي يعد فهرسا للصفحات التي يرد بها حضور السجائر بالنسبة للرجلين .
(تقنية الكلام الصامت)
عوض دوخي لا قدرة له على الكلام أو النهوض من فراشهِ
يخبرنا دوخي (عبد الله ولد خالتي جالس قرب راسي.. كأنه لا يسمع صوتي!)
(كشفنا عنك غطاءك)
هي لحظات احتضار دوخي تنفتح شاشة كبيرة لا يرى سوى المحتضر (ذكريات عمري تلمع راكضة أمامي. تأتي إليَّ كأوضح ما يكون! / 25) الروائي يترفق مع القارئ يخطو معه خطوة ً .. خطوة حتى يلم القارئ بالمشهد كله
(الآخر المرئي فقط لعينيّ دوخي)
مثلما يرى دوخي في لحظاته المتبقية شريط حياته بأجمعها
يتباغت بظهور مَن لا يراه سوى دوخي (لا أدري متى جاء! صاحبي يقف صامتاً قرب الروشنة.) الآخر يظهر ويختفي وهذا الآخر بشهادة دوخي (ما غاب عني طَوال عمري) وهذا الآخر يسمونه بالعافية (الأخو) وبالفصحى القرين.
في لحظات احتضار دوخي ظهر بينهما برزخٌ قاس وبشهادة دوخي الصامتة (يقف على بُعد خطوات مني. لا أنا أستطيع الوقوف والمشي نحوه، ولا هو راغبٌ في المجيء إليَّ. يقف وكأنهُ ينتظرُ وصول شيءٍ ما) يقوم دوخي بتقديم وجيز سيرة هذا القرين( وحدي رأيتهُ أنا الطفل رأى كيف ولدته أمه!)
هنا غرائبية الرؤية ومحدوديتها فالرائي دوخي وكان يرى نفسه وليداً في الوقت نفسهُ.. (خُيّل إليّ أن ولداً جاء ليقف إلى جواري خلف رأس أمي. استغربت الأمر! من أين جاء، ولماذا يقف إلى جانبي. أمدُّ يدي فلا تلمسه. ولدٌ صغيرٌ ربما كان بعمري. شبهٌ ما يجمع بيننا... ونظرة عينيه توشك أن تخاطبني بشيء ما. أدنو منه أكثر علّني ألتصقُ. يبقى في مكانه دون أن أصل إليه! / 27) ثم يكلمه القرين (الآن ستلِدك أمك) وسيرى دوخي شبيهه/ قرينه كيف يجلس بين بين الجدة والداية، ويرى كيف تحمله وتضعه في حضن قرينه ويخبر أن القرين (رفعني بين يديه. نفخ بشيء في أذني اليمنى، ثم اليسرى وأخيراً في فمي قبل أن يُعيدني لحضن الداية) هذه المشاهد، لا دخل لها بالرواية الواقعية السحرية. هذه كشوفات تؤمن بها أنظمة السلوك الجمعية لدينا كعرب وكمسلمين. سيكون هذا الشبح هذا الظل هذا القرين: ملازماً لعوض دوخي ونظرات عينية تقول لدوخي(أنا منك وسأبقى إلى جانبك!/ 29)
(فاعلية التسمية)
الأم تخاطب ولدها عوض (أبوك قال: حلمتُ وكأن صوتاً جاءني في المنام، ناداني قائلا: ،، سمّي مولدك عوض !)
تصمت ُ الأم ثم تخاطب ولدها(المرحوم أخبرني: سأسمّي ولدنا (عوض)عسى ربي يعوّضنا خيراً في/ 30) والتسمية قام دوخي بتدويرها سؤالاً( كيف يمكنني أن أٌعوض أهلي خيراً؟) وعلى هذا السؤال سيجد القارئ إجابات ٍ عليه.
(صوتية السرد)
البطولة المطلقة في هذه الرواية للصوت الذي لا مثيل له
بين أصوات المطربين العرب. وصوته وفرّ له أجنحة الشهرة العربية. وصارت الدول العربية توجّه لعوض دوخي
الدعوات لتقيم له الحفلات الغنائية.
(نقلة سردية)
ينتقل السرد بين الحين والآخر إلى التداعيات التي توصل القارئ إلى عوض دوخي في تألقهِ الكويتي والعربي وهنا يتكلم عوض، وكأن المؤلف يوازن بين وقتين. الفضاء المغلق في غرفة المحتضر عوض. والفضاءات المفتوحة لعوض بشهرته الفنية العربية. المتكلم هنا عوض (أذكر ذلك، قلت لأخي يوسف (بكيت حين سمعت أبي يغني النهمة!) والمكان (كنا في شقتي في القاهرة حين قصصت علي يوسف حكاية غناء أبي.. حين أحكي ليوسف تخرج كلماتي من قلبي بحبي له. ويُريّحني كيف يصغي إليّ) حكي عوض إلى أخيه يوسف وهما في القاهرة، لكن الحدث كان في الكويت (ربما كنتُ في الخامسة. وكان الفصل شتاءً، والشمس تفترش أرضية بيتنا في فريج المطبّة. وأبي جالس على بساطٍ يستند بظهره إلى الحائط، غارقاً في صمته. أمي طلبت منه(سمّعنا نهمة) هنا يعلق يوسف وهما بالقاهرة (أنتَ محظوظ سمعت غناء أبي!)