المُهمّشات المُناهضات للنموذج الياباني للأنوثة



منير المجيد
2026 / 8 / 19

بعد أن شهدت اليابان انفجاراً اقتصادياً في التسعينيات، تبعته «إنفجارات» ثقافية أيضاً. سبق لي أن تناولت ثقافة «الكاواإي»، واليوم سوف أتحدث عن «ثقافة الغيارُ».
فحين تحوّلت شيبُيا (مقاطعة حضرية هي مدينة في مدينة أكثر من كونها مجرد حي رئيسي من الأحياء الـ ٢٣ لمدينة طوكيو الميتروبولية) إلى مركز شبابي تُختبر فيه حدود الجمال والسلوك الإجتماعي.
في تلك الفترة ظهرت فتيات يبتعدن عن النموذج التقليدي للأنوثة اليابانية الذي يقوم على الرصانة والبشرة الفاتحة والشعر الأسود والهدوء الاجتماعي (الذي ذكره هارُكي مُراكامي مراراً في أعماله الأدبية)، ويبحثن عن لغة جديدة للجسد تمنح حضوراً أكثر حرية وجرأة في المجال العام.
أصل كلمة غيارُ gyaru يعود إلى تحوير ياباني لكلمة gal (وهي بدورها تُستخدم في الإنكليزية منذ القرن الماضي بمعنى فتاة شابة)، وقد بدأت في الستينيات كإشارة إلى الفتاة الحيوية، ثم تحوّلت تدريجياً إلى علامة أسلوبية تحمل دلالات اجتماعية أوسع، حتى أصبحت في التسعينيات اسماً لحركة كاملة ذات رموز ومجتمعات وأساليب حياة.

في شوارع شيبُيا وهاراجُكُ (الأخير حي يقع ضمن شيبُيا)، كانت البشرة البرونزية والشعر المصبوغ والملابس الصاخبة إشارات إلى الرغبة في تجاوز حدود الامتثال التي تفرضها الأعراف. هذا الأسلوب الذي بدأ كمجرد زينة، صار طريقة لإعادة امتلاك الجسد وإعادة صياغة العلاقة بين الفتاة والمدينة.
ومع انتشار مجلات مثل egg وPopteen، تشكّلت شبكات اجتماعية للفتيات تمنح المنتميات إليها شعوراً بالاعتراف داخل مجتمع يضع النساء تحت ضغط إجتماعي مستمر. في هذه الشبكات ظهرت فكرة أن الجسد يمكن أن يتحول إلى مساحة للتفاوض مع صورة المرأة في اليابان، وأن الأنثوية تتجاوز فكرة القولبة المغلقة إلى مجال أوسع للتجريب وإعادة صياغة الفكرة.

تنوّعت أنماط غيارُ الفرعية بين كوغيارُ وغانغورُ ويامانبا وهيمي غيارُ وأونيه غيارُ، وكل نمط يعكس مزاجاً مختلفاً داخل الحركة، من الطفولي الحميمي إلى الناعم إلى الصاخب المتطرّف.
التنوع نفسه يكشف رغبة في خلق هويات بصرية متعددة تتجاوز الصورة التقليدية للمرأة اليابانية. ومع ذلك، واجهت الحركة نظرة اجتماعية مترددة، إذ اعتُبرت أحياناً صاخبة أو غير منضبطة، وهو حكم يعكس التوتر بين الفرد والجماعة، علاوة على حرية التعبير والضغط الذي يفضّل الانسجام على الاختلاف. ورغم ذلك، أثّرت غيارُ في الإعلام والموضة والاقتصاد، ودفع تأثيرها صناعة التجميل والأزياء إلى تطوير منتجات جديدة تستجيب لخيارات الفتيات، مما جعلها جزءاً من التحول الثقافي الأوسع في اليابان.

في بعض مراحل انتشار غيارُ ظهرت روايات تربطها بالفضاءات الهامشية في المدن، خصوصاً في مناطق ترتبط باقتصاد الليل في شيبُيا، حيث تتداخل حياة بعض الفتيات مع شبكات دعارة تتقاطع مع مجموعات ذات نفوذ اجتماعي واقتصادي غير رسمي، قد يتألف من عصابات الياكوزا. هذا التداخل لم يكن امتداداً مباشراً للحركة، بل نتيجة هشاشة فردية في فضاء حضري سريع التحوّل، فضاء تتجاور فيه الموضة مع اقتصاد الخدمات الليلية ومع أنماط العمل التي تفتح أبواباً جانبية لعلاقات مع أطرافٍ ذات حضورٍ ما في عالم الجريمة.
التحوّل، الذي تميّز بالخطر أحياناً، جعل بعض الفتيات في التسعينيات يقتربن من مناطق اجتماعية مهملة، بدافع البحث عن فضاءات تسمح لهنّ بالتحرّر من القيود اليومية، وهي فضاءات قد تتداخل فيها الموضة مع اقتصاد الليل ومع شبكاتٍ تعمل خارج الإطار الرسمي. ومع ذلك بقيت غيارُ في صورتها العامة حركة شبابية تسعى إلى إعادة تشكيل حضور الفتاة في المدينة، بعيداً عن أي بنى إجرامية منظّمة.

مع بداية الألفية الجديدة تراجع حضور غيارُ نتيجة تغيّر الذوق العام وصعود الموضة الطبيعية، ومع انتشار مفهوم ulzzang (الوجه الجميل جداً باللغة الكورية) التي حملت معها نموذجاً جمالياً مختلفاً يعتمد على البشرة الصافية، والمكياج الخفيف، والملامح الهادئة، وهو نموذج انتشر بقوة عبر الدراما الكورية وموسيقى البوب، وخلق مزاجاً جمالياً جديداً في اليابان يميل إلى النعومة والانسجام البصري. التأثير الذي دفع كثيراً من الفتيات إلى الابتعاد عن الأسلوب الصاخب، ميّزة غيارُ.
هذا التداخل بين الكوري والكاواإي أعاد تشكيل الذوق العام، وقلّل من حضور الأسلوب البرونزي الصاخب. ومع ذلك عادت الحركة في السنوات الأخيرة ضمن موجة Neo-Gyaru التي تستعيد روح التمرّد الأولى بأسلوبٍ أخف، متأثرة بثقافة الإنترنت وموضة Y2K، التي هي واحدة من أكثر موجات الموضة حدّةً وحنيناً في آنٍ واحد، وهي تعود إلى السنوات المحيطة بعام 2000، أي زمن الانتقال بين القرنَين، حين كان العالم يعيش توتّراً تقنياً وثقافياً بسبب ما دُعي بـ «خلل الألفية» وتحوّل التكنولوجيا إلى جزءٍ يومي من الحياة.

تأثير غيارُ في المجتمع الياباني يتجاوز حدود الموضة، فهو يفتح أسئلة حول معنى الأنوثة وحق الفتاة في صياغة صورتها بنفسها، وحول العلاقة بين الجسد والسلطة الاجتماعية. الحركة تقدّم تصوراً للهوية يقوم على الإمكان لا على الثبات، وعلى القدرة على إعادة كتابة الذات داخل فضاء حضري يتغير باستمرار.
هنا تصبح غيارُ واحدة من أهم سرديات التحول الثقافي في اليابان المعاصرة، جنباً إلى جنب مع ثقافة الكاوإي، لأنها تكشف كيف يمكن للفتاة أن تعيد رسم علاقتها بالعالم عبر تفاصيل صغيرة في الشعر والملابس والمكياج.
التفاصيل التي تحمل في عمقها الرغبة في الحرية وفي إعادة تعريف الذات.