|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

حسن مدبولى
!--a>
2026 / 8 / 20
قبل نحو نصف قرن، ذاعت قصة «شفيقة ومتولي» على نطاق واسع، وأصبحت واحدة من أشهر الحكايات الشعبية المصرية التي تناولت الجرائم التي تُرتكب باسم الشرف. والحكاية تعود وقائعها إلى صعيد مصر في القرن التاسع عشر وفق الروايات المتداولة،وهى قصة ارتبطت بمدينة جرجا في سوهاج، وتروي أن" متولي " قتل شقيقته "شفيقة" بعدما اتُّهمت بسلوك جلب العار إلى أسرتها. ثم تحولت الحكاية إلى مواويل شعبية وأعمال مسرحية وسينمائية، كان أشهرها الاغنية الشعبية الشهيرة (يامتولى ياجرجاوى) وكذلك فيلم شفيقة ومتولي الذى أنتج عام 1978،
وكان نتيجة تلك الاعمال الفنية أن رواية شفيقة ومتولى استقرت بقوة في الوجدان الشعبى ، باعتبارها مأساة محلية تدور حول الشرف والعار، وفي الوقت نفسه تمجد صورة الرجل الذي رأى في قتل امرأة استعادةً لشرف عائلته.
لكن القيمة الأهم لهذه الحكاية اليوم لا تكمن في تفاصيلها التى باتت محفوظة، ولا في مدى دقة كل ما أضيف إليها عبر الزمن، وإنما في المعنى الذى خلفته وراء التفاصيل التى ترويها، وفى المغزى وراء انحياز مجتمع بأكمله للطرف الأضعف، والتعامل مع جريمة قتل امرأة باعتبارها دفاعًا عن الشرف،وتحويل القاتل إلى بطل في الذاكرة الجمعية ؟
بل وفى كيفية انتشار هذه القصة الشعبية بتفاصيلها المنحازة فى عصر كان يُنظر اليه باعتباره مرحلة متقدمة في وضع المرأة المصرية ومكانتها، بينما اكتشفنا اليوم أن ذات الرؤية لاتزال راسخة، وان الغالبية العظمى تنحاز وتمجد رد الفعل الذكورى !؟
فبعد عقود طويلة من واقعة شفيقة ومتولي، وقعت حادثة جديدة في سوهاج في أغسطس 2026 تبدو ــ في جوهر منطقها الأولي ــ امتدادًا مأساويًا للمنطق الشعبى نفسه، وإن اختلف الزمن وتغيرت التفاصيل.
ففي منطقة مساكن الشوش التابعة لقرية بلصفورة في سوهاج، تم قتل ثلاثة أشخاص في واقعة أفادت التغطيات الاعلامية الأولية بأن الضحايا كانوا زوجة وشابين، وأن الواقعة ارتبطت باعتداء الزوج عليهم بسلاح أبيض. كما تناولت تقارير لاحقة رواية عن عودة الزوج من ليبيا، بعد تلقيه صورًا ورسائل من رقم مجهول أثارت شكوكه بشأن زوجته، قبل أن يتوجه إلى مسكنه وتنتهي الواقعة بمقتل الثلاثة. وسط احتفاء عام وتعاطف شعبى متجدد مع بطل القصة طبقا لما أعلن ونشر حول الواقعة بوسائل التواصل ، رغم أن الأمر لم يحسم قانونيا بعد،
ووفقا للتفاصيل المنشورة حول الواقعة الجديدة، هناك فوارق بين الحكايتين، فالعنصر النسائى فى حكاية شفيقة كانت الأخت، بينما الضحية الجديدة هى الزوجة، و في الحكاية القديمة، استأسد متولي على شقيقته وحدها، أما في الواقعة الجديدة، فبحسب الرواية الأولية، امتد الانتقام إلى أطراف أخرى رأى الجاني أنها تستحق العقوبة،
فلم تعد المرأة وحدها هي التي تتحمل نتيجة «الجريمة» المفترضة، بل طال العقاب رجالًا أيضًا.
وهو تطور لافت في شكل الجريمة، لأنه يكشف شيئًا ظل غائبًا أو مستترًا في كثير من جرائم الشرف القديمة يتلخص فى أن العلاقة الأخلاقية، إذا كانت قد وقعت فعلًا، لا يتحمل عاقبتها سوى المرأة وحدها، سواء كانت زوجة أو أختًا أو ابنة أو حتى أمًا، بينما يختفي العنصر الرجولي في الواقعة الأصلية خلف ستار كثيف من الأعراف والتقاليد، وتتحول المرأة وحدها إلى عنوان للعار، ويصبح القتل وسيلة تنفيذ شخصية لاستعادة الاعتبار ورد الكرامة ،
الخطير أن هذا المنطق لم يكن دائمًا يصطدم بالحزم القانوني والأخلاقي الكافي ، بل العكس، فقد عرفت بعض التشريعات العربية، في فترات مختلفة، ظروفًا مخففة للعقوبة في جرائم ارتُكبت بدعوى الشرف، وهو ما جعل بعض القتلة ينظرون إلى الجريمة باعتبارها فعلًا يمكن أن يجد له مبررًا أو تعاطفًا. والعراق مثال واضح على ذلك؛ إذ تنص المادة 409 من قانون العقوبات العراقي على عقوبة مخففة في حالة قتل الزوجة أو إحدى القريبات عند ضبطها في علاقة غير شرعية ،
وهو منطق لم يقتصر على مصر والعراق وحدهما، وانما يمتد ليشمل أطرافا عربية ودولية ، ومن أشهر الأمثلة التي عرفها الرأي العام فيلم «موت أميرة» البريطاني الذي عُرض عام 1980، وتناول قصة الأميرة السعودية "مشاعل بنت فهد" التي ارتبطت قصتها بعلاقة عاطفية انتهت بإعدامها وقتل الرجل الذي كانت مرتبطة به، وفق الرواية التي تناولها الفيلم . وقد أثار الفيلم في ذلك الوقت جدلًا واسعًا بسبب تناوله القضية وممارسات المجتمع السعودي آنذاك.،
أيضا هناك ملابسات وتفاصيل مريبة لا تزال تلف حادثة مصرع الأميرة البريطانية ديانا - ملكة القلوب - وزوجة( ولى العهد) و ملك انجلترا الحالى، التى لقيت حتفها مع حبيبها المصرى الأصل دودى الفايد فى حادث سيارة شهير فى قلب العاصمة الفرنسية باريس !؟
وبالتالى يمكن الزعم بشكل نسبى أن جرائم الشرف قد لا تقتصر على بلد أو شعب بعينه، فهي أوسع من ذلك، وإن اختلفت أشكالها، ودرجات التعامل معها من مجتمع إلى آخر،
و فى كيفية مواجهتها بطرق تمنع تكرارها لان الجريمة الأخلاقية والاجتماعية، إذا إتسع انتشارها فانها تمثل انحرافًا خطيرًا له آثار مدمرة على الأسرة والمجتمع، ولا يصح الاستخفاف بها أو اختزالها في شأن خاص محض لا يتجاوز أطرافه. فهى جريمة يترتب عليها خراب أسر ، وانهيار علاقات، وضياع أبناء، وتفكك وجرائم اجتماعية و نفسية فى حق الأطفال والكبار ،
لكن مع الوضع بالاعتبار أن خطورة مثل تلك الجرائم ، مهما بلغت، لا تمنح أي إنسان حق القتل، لأكثر من سبب، أولًا حفاظًا على حياته هو، وحياة من يرعاهم ويكفلهم،
وثانيًا لأن الدولة والقانون والتشريعات وُجدت أساسًا حتى لا تتحول المجتمعات إلى غابة دموية، وحتى لا يصبح كل شخص قاضيًا وجلادًا في الوقت نفسه.
ومع ذلك، فإن الوقاية من هذه الجرائم تظل هى العنصر الأهم ، وهذه الوقاية لا تبدأ عند باب المحكمة، وإنما تأتى من داخل الأسرة. فهناك علاقات زوجية لا يمكن علاج آثارها إلا بالانفصال، مثل الخيانة الزوجية، وهناك مشكلات يمكن احتواؤها بالزواج إذا كان ذلك ممكنًا ومقبولًا ومستوفيًا لشروطه، وهناك علاقات شديدة الحساسية بسبب اختلاف الدين أو اختلاف البيئة الاجتماعية، وقد تثير ردود أفعال أكثر حدة، كما أن هناك رجالًا يهربون من مسؤولياتهم بعد أن يتسببوا في إسقاط امرأة أو استغلالها، ثم يتركونها وحدها تواجه العواقب.
هنا تصبح التربية والاقتراب من الأهل و الأبناء والبنات والاحتواء والمصارحة هي الحصن الأهم. فالأسرة التي تعرف أبناءها وتفهم مشكلاتهم وتراقب انحرافاتهم مبكرًا وتحتوي أزماتهم، أقدر على منع الكارثة من أسرة لا تكتشف شيئًا إلا بعد فوات الأوان.
وكذلك ينبغي مقاطعة القاذورات التي تُروَّج علنًا باعتبارها فنًا، وهي في الكثير من الأحيان ليست فنًا ولا إبداعًا، وإنما تحويل للسقوط والانحراف والخيانة والجريمة إلى مادة للتقليد والتطبيع معها. فالفن مسؤولية، وليس مجرد وسيلة لتقديم كل ما يمكن تقديمه للجمهور تحت شعار الحرية.
وعلى الدولة، في الوقت نفسه، أن تراجع تشريعاتها المنظمة للأعمال الفنية والإعلامية، كما ينبغي أن تكون العقوبات حاسمة في مواجهة من يعتدي على أعراض الآخرين أو يحرض على الانحراف أو يستغل النساء، وأن تكون هناك مواجهة قانونية واضحة مع كل من يحاول تحويل الرذيلة إلى نموذج اجتماعي أو تقديم الدعوة إلى المساكنة والدعارة باعتبارها حقًا اجتماعيًا ينبغي حمايته.
فالهدف في النهاية ليس العودة إلى زمن متولي، ولا ترك المجتمع بلا قيم وضوابط، وإنما منع أن يتحول الدفاع عن الشرف إلى ذريعة للجريمة، ومنع أن يتحول التساهل مع الانحراف إلى باب آخر لانهيار الأسرة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|