تداعيات الحرب على واقع المرأة



أبية الريح
2026 / 8 / 21

الحرب تهدم الشروط التي تجعل الحياة ممكنة. وعند وقوعها تتحول النساء إلى إحدى أكثر الفئات تعرضا لتبعاتها لأن النزاع يضاعف هشاشات اجتماعية واقتصادية وقانونية كانت قائمة قبل اندلاعه.
توضح الأرقام حجم الكارثة. ففي عام 2024 سُجل أكثر من 185 نزاعا مسلحا حول العالم بينها 61 نزاعا شاركت فيه دولة واحدة على الأقل وعاشت نحو 676 مليون امرأة وفتاة على مسافة لا تتجاوز 50 كيلومتراً من مناطق النزاع. كما وثقت الأمم المتحدة أكثر من 4600 حالة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات في العام نفسه بزيادة بلغت 87% مقارنة بعام 2022.
ولا تكشف هذه الأرقام إلا الجزء الذي أمكن توثيقه إذ إن العنف الجنسي في الحروب كثيراً ما تحيط به ظروف تمنع التبليغ من الخوف والوصمة الاجتماعية إلى غياب المؤسسات القضائية والطبية. ولذلك فإن الرقم لا يمثل بالضرورة حجم الجريمة ولكن هو حجم ما استطاعت المؤسسات الوصول إليه وتوثيقه.
والعنف الجنسي في النزاع غير أنه اعتداء فردي فقد يتحول إلى وسيلة لإرهاب السكان وإذلالهم وتهجيرهم وتفكيك جماعاتهم. ولهذا يحظى بحظر صريح في القانون الدولي الإنساني. فالقواعد التي كرستها اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية تحظر الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، ويقرر البروتوكول الإضافي الأول في المادة 76 حماية خاصة للنساء من الاغتصاب والإكراه على الدعارة وغيرها من صور الاعتداء الجنسي.
وتتجاوز آثار الحرب الجسد إلى الحق في الحياة والصحة والغذاء والماء والعمل والتعليم. فالمرأة التي تفقد منزلها تفقد مكاناً للسكن وتفقد وثائقها وممتلكاتها ومصدر دخلها وشبكة الحماية الاجتماعية التي كانت تعتمد عليها. ومع النزوح قد تصبح النساء والفتيات أكثر تعرضا للعنف والاستغلال خصوصا عندما يرافق النزوح فقدان المعيل أو انهيار الخدمات الأساسية.
وتزداد خطورة الحرب حين تمس الرعاية الصحية. فقد أشارت الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء في البلدان المتأثرة بالنزاعات يواجهن قيوداً شديدة في الوصول إلى الرعاية الصحية وأن نحو 500 امرأة وفتاة تموت يومياً في هذه البلدان بسبب مضاعفات مرتبطة بالحمل والولادة.
وهنا تظهر مفارقة قانونية وأخلاقية مؤلمة.. قد يكون الحق موجوداً في النص بينما يصبح الوصول إليه مستحيلاً في الواقع. فالحق في العلاج لا يكفي إذا دُمرت المستشفيات والحق في التعليم لا يحمي فتاة أُغلقت مدرستها أو اضطرت إلى النزوح والحق في العمل لا يساوي الكثير حين ينهار الاقتصاد. لذلك فإن العدالة تكون بقدرة الإنسان على ممارستها فعلياً.
وقد أدرك القانون الدولي الإنساني هذه الخصوصية فهو يمنح النساء والرجال الحماية العامة نفسها من دون تمييز لكنه يعترف في الوقت ذاته بالاحتياجات الخاصة للنساء في النزاعات ولا سيما ما يتعلق بالصحة والحمل والعنف الجنسي.
لكن اختزال المرأة في صورة الضحية وحدها يظل ناقصاً. فالنساء في الحروب يقدمن الرعاية، ويحافظن على الأسر ويعملن في الإغاثة وينظمن المجتمعات المحلية ويشاركن في جهود السلام. ومن هنا جاء قرار مجلس الأمن 1325 لعام 2000 ليؤسس لأجندة «المرأة والسلام والأمن» مؤكدا أهمية مشاركة النساء في منع النزاعات وحلها وصناعة السلام وإعادة الإعمار إلى جانب حمايتهن من العنف.
غير أن المفارقة أن النساء كثيرا ما يتحملن كلفة الحرب دون أن يمتلكن صوتا مساويا في إنهائها. ففي عام 2023 كانت نسبة النساء بين المشاركين في مفاوضات السلام أقل من 10% بينما تضاعفت نسبة النساء بين قتلى النزاعات المسلحة مقارنة بالعام السابق.
وهذا يطرح سؤالا فلسفيا يتجاوز القانون.. كيف يمكن أن تكون العدالة مكتملة إذا كان من يدفعون الثمن الأكبر للحرب أقل حضورا في صناعة السلام؟.
حماية النساء تعني باعتبارهن صاحبات حقوق وفاعلات في المجال العام. ولذلك فإن العدالة بعد الحرب يجب أن تشمل المساءلة عن الجرائم، وجبر الضرر وإعادة الممتلكات والوثائق وتوفير العلاج والدعم النفسي وإعادة التعليم والعمل وإشراك النساء في إعادة بناء المؤسسات.
والأهم أن تتحول المسؤولية القانونية من مجرد إدانة الجريمة إلى ضمان عدم الإفلات من العقاب. فالقانون الدولي الإنساني يوجب منع العنف الجنسي والتحقيق فيه وملاحقة مرتكبيه، كما يقرر للضحايا حق الوصول إلى الرعاية والعدالة وجبر الضرر.
وتقدم الحرب في السودان مثالًا صارخا على اتساع هذه الفجوة بين النص والواقع فبحسب الأمم المتحدة للمرأة تجاوز عدد النازحين 11 مليون شخص بحلول أكتوبر 2024، وكانت النساء والفتيات يمثلن 54% منهم، كما ارتفع عدد الناجيات اللواتي طلبن خدمات مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي بنسبة 288% منذ ديسمبر 2023.
لذلك فإن أثر الحرب على النساء لا ينبغي أن يُختزل في مشهد الضحية فالحرب قد تسلب المرأة منزلها، لكنها قد تدفعها أيضا إلى حمل مسؤوليات جديدة وقد تحرمها من الأمان لكنها تكشف في الوقت نفسه عن قدرتها على حماية الأسرة والمجتمع. والمطلوب قانونيا وأخلاقيا ألا تتحول هذه القدرة على الصمود إلى ذريعة لتحميلها مزيدا من الأعباء ولكن يجب أن تكون سببا للاعتراف بدورها وحقوقها.
السلام الحقيقي لا يعني توقف إطلاق النار فقط. فإذا توقفت المدافع وبقيت المرأة بلا منزل أو علاج أو تعليم أو عدالة أو بلا قدرة على المشاركة في تقرير مستقبلها فإن الحرب تكون قد تركت وراءها نظاما جديدا من العنف.
ولهذا فإن السؤال الأهم كم حقا سلبته الحرب من النساء وكم حقا أعادته العدالة إليهن؟
فالحرب تنتهك الإنسان في لحظة ضعفه، أما العدالة فاختبارها الحقيقي أن تعيد إليه القدرة على الوقوف من جديد. والمرأة التي خرجت من الحرب ليست رقما في سجل الضحايا؛ إنها صاحبة حق في الحقيقة والعدالة والأمان والملكية والعمل والتعليم والمشاركة وفي أن يكون لها صوت في صناعة السلام الذي سيحدد مستقبلها.
فإذا كانت الحرب تستخدم الجسد والبيت والوطن أدواتٍ للنزاع، فإن العدالة مطالبة بأن تعيد للمرأة جسدها الآمن، وبيتها الممكن ووطنها الذي تستطيع أن تشارك في تقرير مستقبله.