|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
تغريد شحادة
!--a>
2026 / 8 / 21
في كل مرة تقتل فيها امرأة على يد من كان يفترض أن يكون أقرب الناس إليها، لا تكون الجريمة لحظة منفصلة عن كل ما سبقها، خلفها غالبا سنوات من الصمت، وعنف تم التقليل من شأنه، وتحذيرات لم تؤخذ بجدية، ومجتمع ما زال في أحيان كثيرة يخشى من كلمة مطلقة أكثر مما يخشى على حياة امرأة، من السهل أن نختصر المشهد في قاتل ومقتولة، لكن الأصعب أن نسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف تحولت بعض البيوت، التي يفترض أن تكون موطنا وملاذا للأمان، إلى أماكن للخوف والإهانة والعنف؟ تبدأ المشكلة في كثير من الأحيان منذ اللحظة التي تقرر فيها بعض الأسر أن الزواج قد يكون علاجا لابن يعاني اضطرابا في سلوكه أو عدم قدرت1ه على تحمل المسؤولية، فنسمع العبارة المؤلمة (زوجوه بعقل)، لكن من قال إن ابنة الناس وسيلة لإصلاح رجل؟ الزواج ليس مصحة للعلاج، والزوجة ليست معالجة نفسية، فالجريمة الحقيقية تبدأ عندما يتجاهل الأهل السلوك العنيف، ويتسترون على المشكلة، ثم يلقون امرأة في هذه الحياة على أمل أن تقوم هي بما عجز الجميع عن القيام به، عندها نكون قد ظلمنا الطرفين، ظلمنا امرأة حملناها ما لا يجب أن تحمله، وظلمنا شابا كان يحتاج إلى علاج أو تقويم أو تدخل جاد، فقدمنا له زواجا زاد مسؤولياته بدلا من العلاج، لكن ذلك لا يضع القاتل والمقتولة في الكفة نفسها، فالمرأة هي ضحية الجريمة، والقاتل مسؤول عن فعله مسؤولية كاملة، وإذا قلنا إن الجاني قد يكون بدوره ضحية خلل في التربية أو الأسرة أو المجتمع، فإن ذلك تفسير لمسار المشكلة وليس تبريرا للجريمة، فلا طفولة قاسية، ولا اضطراب، ولا غضب، ولا ضغط اقتصادي، ولا خلاف زوجي، يمكن أن يصبح مبررا لسلب حياة إنسان.
ثم تأتي المأساة الكبرى: صمت المرأة نفسها عن الظلم الذي تعيشه، لكن هل هو صمت اختارته دائما بحرية؟ كم من امرأة حاولت أن تتحدث فقيل لها: اصبري، كم واحدة لجأت إلى أهلها مكسورة، فكان الرد: ماذا سيقول الناس؟ وكم امرأة طلبت الطلاق فقيل لها: ومن سيتحمل مسؤوليتك؟ فيصبح خوف الأهل من كلام المجتمع أقسى من خشية استمرار العنف، نخشى عليها من لقب مطلقة، ولا نخشى أن يأتي يوم تصبح فيه مجرد ذكرى، نطلب منها أن تتحمل حفاظا على البيت، وكأن البيت يبقى بيتا حين يسكنه الخوف والإهانة والذل، ونطالبها بالصبر من أجل الأبناء، مع أن الطفل الذي يعيش في بيئة عنيفة لا يعيش حياة مستقرة، حتى لو بقي الأب والأم تحت سقف واحد، ولا يكون أهل المرأة دائما عاجزين عن حمايتها، بل أسرى لفكرة اجتماعية قديمة تقول إن عودة ابنتهم إلى بيتهم هزيمة، وإن الطلاق فضيحة، وإن على المرأة أن تتحمل مهما حدث.
لكن القضية لا تقف عند موقف الأهل أو نظرة المجتمع، فهناك قيد آخر قد يكون أشد قسوة وهو القيد الاقتصادي، فالمرأة التي لا تعمل، ولا تمتلك مصدر دخل مستقلا، قد تعرف تماما أنها تعيش في علاقة مؤذية، وقد تدرك أن استمرارها فيها يستنزف كرامتها وأمانها، لكنها تقف أمام سؤال شديد القسوة: إلى أين أذهب؟ إذا كان أهلها لا يريدون أو لا يستطيعون تحمل احتياجاتها واحتياجات أبنائها، وإذا لم تكن لديها وظيفة أو دخل أو مدخرات، فإن قرار الطلاق لا يعود قرارا عاطفيا أو اجتماعيا فقط، بل يصبح قرار بقاء؛ قد لا تختار المرأة الاستمرار لأنها مقتنعة، بل لأنها لا تملك ما تعيل به نفسها وأبناءها، وهنا نفهم لماذا لا يمكن الحديث عن حماية المرأة بمعزل عن تمكينها الاقتصادي، تعليم المرأة وعملها واستقلالها المالي ليست أمورا ثانوية، ولا ترفا اجتماعيا، بل قد تكون في لحظة ما خط الدفاع الأخير عن حياتها وكرامتها.
وللمجتمع كذلك نصيبه من المسؤولية، فهو يحاصر المرأة داخل علاقة مؤذية، ثم يلاحقها حتى إذا خرجت منها. إذا بقيت سألها: لماذا تقبلين؟ وإذا طلقت سألها: لماذا لم تحافظي على بيتك؟ وإن بدأت حياة جديدة، بدأت الألسن تنهش سمعتها. إذا خرجت راقبوها، إذا ضحكت حاسبوها، إذا أرادت أن تعيش بكرامة واستقلال، نظروا إليها وكأن الطلاق قد سلبها حقها في الحياة، وكأن المطلقة مطالبة بأن تعيش بقية عمرها معتذرة عن زواج لم ينجح، هذا المجتمع بحاجة لأن يفهم أن الطلاق ليس وصمة عار، وأن المرأة التي تنجو من علاقة مؤذية لا تحتاج إلى محاكمة جديدة من الناس، بل إلى فرصة عادلة لتبني حياتها.
ولا يمكن أن يبقى الحديث محصورا في الأسرة والمجتمع، فهناك مسؤولية كذلك على المؤسسات التي تلجأ إليها المرأة عندما تقرر طلب النجاة، المحاكم ودوائر الإرشاد الأسري ليست محطات شكلية، بل قد تكون من أهم نقاط الحماية، ومقولة (الصلح خير) قيمة عظيمة حين يكون الصلح ممكنا وآمنا وعادلا، لكنها ليست قاعدة عمياء تصلح لكل علاقة وفي كل ظرف، ففي العلاقة التي يتكرر فيها العنف، أو يوجد فيها تهديد حقيقي، قد تتحول إعادة المرأة إلى الزوج باسم الإصلاح والحفاظ على الأسرة إلى تأجيل للمشكلة وترحيل لها، وربما إعادة لها إلى دائرة الخطر نفسها، الصلح الذي يعيد امرأة إلى مصدر خوفها من دون معالجة جذرية للعنف، ومن دون ضمانات حقيقية لسلامتها، ليس نجاحا لأن ملفا أغلق، ولا انتصارا لأن زوجين عادا إلى بيت واحد. فالغاية من الإرشاد الأسري ليست الحفاظ على شكل الأسرة بأي ثمن، بل الحفاظ على حياتها، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على المرشد والقاضي وكل من يسمع شكوى امرأة، أن يميز بين خلاف زوجي يمكن إصلاحه، وبين نمط عنف قد يحمل خطرا يهدد حياتها، وأن تكون السلامة هي الأولوية، لا مجرد الوصول إلى مصالحة سريعة، فالانفصال فشل لعلاقة، لكنه نجاح في إنقاذ حياة.
وفي السياق نفسه لا يمكن إعفاء القانون من المسؤولية، فحين تطلب المرأة الانفصال، يجب ألا تجد نفسها أمام طريق يجعلها تختار بين سلامتها وبين حقوقها، حيث إن العديد من النساء يضطررن إلى التنازل عن حقوق مالية أو اجتماعية حتى يحصلن على حريتهن، فعلينا أن نسأل بجدية: هل منظومة العدالة تجعل النجاة ممكنة فعلا؟ القانون يجب أن يكون حاضرا قبل وقوع الجريمة، لا أن يظهر فقط بعد أن تضيع حياة، وتبدأ رحلة اللجوء للتسويات الاجتماعية وركن القانون جانبا، فمهما كانت أهميتها في حفظ السلم الأهلي، لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة تجعل الدم رخيصا، فحين تصبح الجرائم الكبرى قابلة للاختصار في جلسة صلح أو فنجان قهوة، فإن الرسالة التي قد تصل إلى أشباه الرجال خطيرة جدا: أن لكل شيء مخرجا، وأن الحياة يمكن أن تتحول إلى بند قابل للتفاوض، لكن الروح ليست موضوعا للمساومة، والدم لا تمحوه المجاملات الاجتماعية، نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب أولوياتنا: سمعة العائلة لا تسبق حياة ابنتها، الزواج ليس أهم من السلامة، الصبر ليس فضيلة حين يتحول إلى قبول بالإهانة والعنف، الستر لا يعني إخفاء الجريمة، والطلاق ليس فشلا حين يكون هو باب النجاة، وربما علينا أن نتوقف عن سؤال المرأة المعنفة: لماذا بقيت كل هذا الوقت؟ وألا نسأل بعد كل جريمة: كيف وصل الحال إلى هذا الحد؟ يجب أن نسأل: كم إشارة سبقت الجريمة ورآها من حولها ثم اختاروا الصمت؟ لأن الأرواح لا ينبغي أن تكون رخيصة إلى هذا الحد، وليست المرأة مشروع تضحية حتى يستقيم رجل، ولا ثمنا لسمعة عائلة، ولا رقما ينتهي بخبر.
لذلك علينا أن نفعل ما يجب فعله قبل أن تصبح الحكاية خبرا، قبل أن تتحول امرأة كانت لها أحلامها وصوتها وملامحها وحياتها إلى خبر تتناقله وسائل الإعلام، وتلوكه الأفواه، ثم يتراجع إلى آخر الذاكرة حين يأتي خبر جديد.
العدالة ليست ما نفعله بعد أن تموت المرأة، العدالة هي كل ما كان يجب أن نفعله كي نصون حياتها وكرامتها.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|