الجن لا يخطئون...



رولا حسينات
2026 / 8 / 24

الجن لا يخطئون...الجن يحسنون الاختيار، لا يمكن أن يكون اختيارهم لابنة الخمس سنوات هكذا عبثا...
وإن طال بكاؤها الصامت، وإن طال ابتلاعها لمقالع البؤس والشقاء ستنطق ذات يوم...
الدماء التي اغتسلت بها خلفت جروحا رست بلا حراك في روحها...
أيمكن للظلم أن ينجلي يوما هكذا بغمضة عين منها، تتلوها الواحدة والأخرى لتكون ربما كغيرها من صغار كفر الجن هذا...
لن تلوم أمها...
لن تلوم الماضي الذي لم تدر منه شيئا ...
لن تلوم أي كان ...
فما الذي كانت تريده؟
مالذي يمكن لصغيرة وأمها أن تتمناه؟
خرقة بالية؟! وهاقد ارتدتها...
لقمة مغمسة بالمرار والذل؟! هاقد التقمتها...
وبيت بلا سقف ولا جدران تتكوم فيه وأمها...
مالذي تريده بعد؟
أيطمع العبد بما في يد السادة؟
وهل للأمة أن ترفع رأسها في وجه سيدتها؟
زمن العبيد والإماء لن ينتهي...مادامت البسيطة تنبت العبيد...
فلن يغيب زمن السادة...
يومها سارت بها قدماها العاريتين إلى حفة الجبل ...قيل: أن زهرة النجمات الثلات قد أزهرت وكما تناقلته الألسن: بأنها لا تتفتح إلا مرة كل عام والشهر الخامس في السنة هو مولدها فمن استطاع أن يقطفها تكون له الجنة بما فيها...الغريب أنهم همسوا، لكنهم والجن يتنافسون على قطفها...لم يكن لينجح أحد إلا وردان قبل سنين قد خلت من قبلهم، حيث تعلق في حفة الجبل، ومد جسده الممشوق ليقطفها، رغم ضرب الجن له رغم عصف الأرض به، إلا أنه قبض عليها وغاب في البعيد...
فالجنة كتبت لوردان من قبل فمن منهم سينالها اليوم...
الموت الذي رأته بأم عينيها وهي معلقة بين السماء والأرض، والصبيان ما انفكوا يرجمونها بالحجارة ...لم يتزحزح قيد أنملة.
عقدة من حافة الجيل التفت بإحكام حول قدمها، فعُلقت وعلق جسدها بالهواء بين السماء والأرض. فلا هي استطاعت أن تفك نفسها ولا هب أحد لنجدتها، فغدت لقمة سائغة تلوكها حجارتهم المدببة وهدفا لالتهم التي ما خبت نارها...
وقد تعالت صيحاتها بمن يصيبها في المقتل...وهي في صمت بكاءها في الخوف سواء بين الإنس والجن فلا فرق بينهما...
ملعونة هي بينهما، والحجارة تدمي جسدها من صبيان كفر الجن...
وكما كانوا كان الجن يتناوبون على التلويح بها يمنة ويسرة بلا كلل ولا ملل ...البياض الذي لف الكون حولها وزهرة النجمات الثلاث فقط ما ارتدته روحها...بابتسامة قد رسمت على محياها الدائري الصغير...
وقد سخرت في وجه الكون رغم كل ما فيها...
ربما هي الجنة! ولم لا تكون كذلك؟!
زهرة النجمات الثلاث أمامها، ولا تكاد تصل يدها إليها، دفعة أخرى فقط... كفيلة بأن توصلها إليها لتكون في الجنة...
دفعة واحدة فقط كفيلة لتغير مصيرها كما يدعون...
فالصبر صبر ساعة ...
وكانت تلك لها...وقبضت بيديها الداميتين الزهرة ذات النجمات الثلاث...
وسقطت، وصمت الكون من حولها...ويرجع الصدى إليها ضحكاتها...وجعلت ترقص وترقص وترقص والضحكات لا تفارقها...
عن أي شيء ستبحث غيرها الجنة؟
أهناك ما بعد الجنة؟
تسابقت سيقان ساكني كفر الجن ليروا المصاب...بل ليروا الجن...
لم يبق أحد منهم إلا وقد فرت منه ساقاه... ليرى الجن، لا ليسعف الصغيرة البكماء...
جميعهم جاءوا مسرعين إلا سكينة التي نست اسمها، بضعف قدميها، وذلها، وثقل ساقيها بالكاد جعلها تتعثر على الحجارة هنا وهناك، وجميعهم يمرون بها... لا يد امتدت ولا ساق قصرت المسير...
قلب الأم المفجوع بالكاد حملته وثقل ساقيها...
صرخاتها المكتومة وقبضتها الواهنة...
بالكاد جعلتها آخر الواصلين... لترى صغيرتها ممددة بدمها، وقبضة يدها على الزهرة ذات النجمات الثلاث وابتسامة قد رسمت على محياها ...
سليم الذي بالكاد رأى النور فارق مضجعه ليرقب ما قلب كفر الجن ...ذاكرة عينيه كانت تحفظ عن ظهر قلب الصغيرة البكماء...في نفسه لم تكن لتختلف عنه بشيء...
ورغم مكل شيء حاسد لها...
رغم القيود، رغم الذل، رغم الحجارة التي كوت جسدها...
رغم لقبها البكماء...
رغم كل شيء بقيت حالها أفضل منه...
فهي رغم كل شيء فكت القيد وتحررت من طاعة الأسياد...
يكفيها أنها قد ألفت الطرقات، وبئر الماء، وعرفت ساكني كفر الجن واحدا واحدا، وقبضت الماء بيديها الصغيرتين كما قبضت الزهرة ذات النجمات الثلاث...
هل يمكن أن يكون أفضل منها؟...وبم كان...وبما لم تكن...؟!
رغم كل شيء تتنفس الوجود بروحها..
وتحلم بالغد...غير مصادر حلمها بواقعها...
الجنة التي كانت تنشدها لم تعرف أنها تملكها...بمفتاح الحرية الذي تملكه...
لم يعرف كيف وصل ليجثو قربها يمسح الدماء عن جسدها، ويطبب جراحها، الهمس من حوله لم يفتر عزيمته...الدندنة في أذنيه وضحكاتها في الجنة يسمعها دون أي شيء آخر...أيحملها ويطير...والزهرة ذات النجمات الثلاث أم يبقى قربها دون أن ينبس ببنت شفة...؟!
من شق النور في عينيها الصغيرتين كان سليم كاللؤلؤ المكنون، رابطا يطبب جراحها...أغلقت عينيها وغابت في الجنة وإياه...
-آخر مرة بحكيلك ...ما بدنا مشاكل بكفر الجن... كل المشاكل اجتنا من وراكي ووراء بنتك...
لم تعد سكينة قادرة على سماع المزيد، فقد اصمت أذنيها عن لوم الكثيرين...
النساء والرجال...جميعهم تحلقوا حولها...
الحقيقة المؤلمة أن طريدة أينما حملتها ساقاها وصغيرتها...
لم يبق لها رغيف في كفر الجن...
أتفر بصغيرتها في حلكة الليل دون النهار...؟!
أيطول الطريق فيها أم يقصر؟!
أم تصيب حتفها وتخلي الصغيرة للزمن الذي ما غاب عنها وإياها ولو لهنيهة؟؟
أفكار كثيرة ربضت فوق رأسها لكنها أيقنت أنه قد آن أوان الرحيل عن كفر الجن والإنس معا...
وإن خاصمها الجن والأنس لا يهم ستصبر...
فليس بعد الصبر إلا الفرج...
ولا بد أن يكون...