|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
همام قباني
!--a>
2026 / 8 / 27
ليس التحرش الجنسي حادثة عابرة يمكن اختزالها في كلمة غير لائقة، أو نظرة متطفلة، أو رسالة إلكترونية مزعجة إنه سلوك يقوم على انتهاك حدود الآخر، وتحويل جسده أو حضوره أو صورته إلى مساحة مباحة للرغبة والوصاية والإذلال ولهذا فإن مواجهة التحرش لا ينبغي أن تبدأ من سؤال: "ماذا كانت ترتدي؟" أو "لماذا خرجت وحدها؟" أو "لماذا نشرت صورتها؟"، بل من السؤال الأكثر وضوحاً: لماذا يعتقد المتحرش أن من حقه أن يقتحم مساحة امرأة لم تمنحه هذا الحق؟
لقد ظل التحرش الجنسي، في مجتمعاتنا، واحداً من أكثر أشكال العنف التي يجري التعامل معها باستخفاف يحدث في الشارع، ووسائل النقل، وأماكن العمل، والجامعات، والأسواق، وحتى داخل بعض البيئات التي يفترض أن توفر للمرأة الحماية والأمان ومع اتساع استخدام الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، لم يختفِ التحرش، بل غيّر مكانه وأدواته، وانتقل من الشارع إلى شاشة الهاتف، ومن النظرات والكلمات إلى الرسائل والصور والحسابات الوهمية والابتزاز الإلكتروني.
"إن الفضاء الافتراضي لم يصنع التحرش من العدم؛ لقد منح بعض ممارسيه أدوات جديدة ومساحات أوسع لممارسة السلوك ذاته".
التحرش ليس مجاملة
من أكثر المشكلات التي تعيق مواجهة التحرش ذلك الخلط المتعمد بين التحرش والمجاملة أو المغازلة فالمجاملة التي لا تحمل إكراهاً ولا تجاوزاً للحدود تختلف جذرياً عن سلوك يفرض نفسه على الطرف الآخر رغم عدم ترحيبه به.
حين يصر ذكر على ملاحقة امرأة في الشارع، أو يلاحقها بالكلمات والتعليقات، أو يحاول تصويرها، فالمسألة لا تتعلق بكونه "معجبا" بها إنها تتعلق بعدم احترامه لحقها في أن تكون حرة في جسدها ومساحتها الشخصية المشكلة هنا ليست في الرغبة بحد ذاتها، وإنما في تحويل الرغبة إلى اعتداء على حرية الآخر ، ولهذا فإن العبارة الشائعة "هذه مجرد مغازلة برئية" قد تكون في بعض الأحيان وسيلة اجتماعية لتطبيع سلوك مؤذٍ، وإعادة تعريف الانتهاك باعتباره سلوكاً طبيعياً أو حتى دليلًا على الإعجاب ومن هنا تبدأ عملية تبرير التحرش، ثم تحميل المرأة مسؤولية ما تعرضت له.
حين يصبح الشارع مكاناً غير آمن
تعيش كثير من النساء مع حسابات يومية لا يضطر الرجل إلى التفكير فيها بالدرجة نفسها: أي طريق أكثر أمانًا؟ هل أستطيع العودة إلى المنزل وحدي؟ هل سأتعرض للملاحقة إذا توقفت هنا؟ هل يمكنني ارتداء ما أريده دون أن تتحول ملابسي إلى ذريعة للتعليق والإهانة؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل هامشية في حياة النساء، بل جزء من واقع اجتماعي يفرض عليهن مراقبة أنفسهن باستمرار.
والأخطر أن المرأة كثيراً ما تتعلم منذ طفولتها أن عليها أن تتجنب التحرش بدل أن يتعلم المجتمع كيف يمنعه يقال لها: لا تخرجي ليلًا، لا تذهبي وحدك، لا تتحدثي مع الغرباء، لا ترتدي هذا، لا تنشري صورتك، لا ترفعي صوتك.
وهكذا تتحول مسؤولية الجريمة تدريجياً من المتحرش إلى الضحية إن حماية المرأة لا تعني وضع قائمة طويلة من الممنوعات أمامها، بل تعني بناء مجتمع يفهم أن الشارع ليس ملكاً للرجال، وأن جسد المرأة ليس شأناً عاماً، وأن وجودها في الفضاء العام لا يمنح أحداً حق التعليق عليها أو لمسها أو ملاحقتها.
من الشارع إلى الشاشة
دخلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى تفاصيل حياتنا اليومية حتى أصبحت الحدود بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي شديدة التداخل وما يحدث في أحدهما لا ينفصل بالضرورة عن الآخر وقد أخذ التحرش الإلكتروني أشكالًا متعددة: رسائل جنسية غير مرغوب فيها، إرسال صور أو مقاطع ذات مضمون جنسي دون موافقة المتلقي، التعليقات ذات الإيحاءات الجنسية، الملاحقة المتكررة من حسابات متعددة، إنشاء حسابات وهمية، نشر الصور الخاصة، التهديد بنشرها، الابتزاز، التشهير، والمراقبة الرقمية واللافت أن بعض المتحرشين يشعرون بجرأة أكبر خلف الشاشة؛ فالحساب الوهمي يمنحهم شعوراً زائفاً بالحماية، والمسافة الجغرافية توهمهم بأن ما يفعلونه أقل خطورة من التحرش في الشارع لكن الضرر لا يصبح أقل لأن الجريمة حدثت عبر الهاتف الكلمة الجنسية التي تصل إلى امرأة عبر رسالة قد تكون مؤذية بقدر كلمة قيلت لها في الشارع والصورة الخاصة التي تنشر دون موافقتها قد تتحول إلى أداة تدمير اجتماعي ونفسي، خصوصاً في البيئات التي لا تزال تنظر إلى المرأة باعتبارها مسؤولة عن "سمعتها وسمعة أهلها وعشيرتها وجيش كامل من الكائنات الحية" أكثر من مسؤولية المعتدي عن جريمته.
الابتزاز الإلكتروني: حين يتحول الخوف إلى سلاح
من أخطر صور التحرش الإلكتروني الابتزاز الجنسي، لأنه لا يتوقف عند لحظة الإزعاج، بل يقوم على صناعة الخوف قد تبدأ العلاقة برسالة عادية، أو تعارف، أو ثقة متبادلة، ثم يجد أحد الطرفين نفسه أمام تهديد بنشر صورة أو محادثة أو تسجيل خاص هنا لا يعود المعتدي بحاجة إلى الحضور الجسدي؛ يكفي أن يمتلك مادة يمكن استخدامها للضغط والسيطرة وفي هذه الحالات، كثيراً ما تصمت الضحية خوفاً من الفضيحة، أو من الأسرة، أو من المجتمع، أو من فقدان العمل، أو من تعرضها للعنف وهذا الصمت، بدل أن يحميها، يمنح المبتز مزيداً من القوة لذلك فإن أول ما ينبغي أن يتغير هو النظرة الاجتماعية إلى الضحية العار ليس في الشخص الذي تعرض للابتزاز، بل في الشخص الذي استغل الثقة أو الخصوصية وحولها إلى وسيلة للتهديد.
لماذا تتحمل المرأة اللوم؟
ربما يكون السؤال الأكثر إيلاماً في قضايا التحرش هو: لماذا يتحول النقاش، بعد وقوع الاعتداء، إلى سلوك المرأة بدل سلوك المعتدي؟ تسأل عن ملابسها، وعن صورتها، وعن علاقاتها، وعن سبب وجودها في المكان، وعن سبب امتلاكها حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي المقابل قد يسأل المتحرش سؤالًا بسيطاً ثم تنتهي المسألة: لماذا فعلت ذلك؟
هذه الازدواجية ليست بريئة إنها جزء من ثقافة اجتماعية تضع المرأة في موقع المسؤولية الدائمة عن سلوك الرجل. وكأن الرجل لا يمتلك إرادة، وكأن رغباته قوة لا يستطيع السيطرة عليها، وكأن المرأة مطالبة بأن تختفي كي لا يستفزه وجودها لكن الرجل ليس كائنًا بلا إرادة، والتحرش ليس غريزة لا يمكن مقاومتها إنه اختيار وسلوك ومسؤولية.
التكنولوجيا ليست المشكلة
من السهل أن نضع اللوم على مواقع التواصل الاجتماعي ونقول إن التكنولوجيا فتحت أبواباً جديدة للتحرش. لكن التكنولوجيا بحد ذاتها ليست المشكلة الهاتف لا يتحرش، والمنصة لا ترسل الرسائل الجنسية من تلقاء نفسها، والحساب الوهمي لا يملك رغبة أو قراراً. الذي يفعل ذلك هو الإنسان.التكنولوجيا تكشف أحياناً ما هو موجود أصلًا في المجتمع، وتمنح السلوك أدوات جديدة للانتشار ولهذا فإن الحل لا يكمن فقط في حذف الحسابات المسيئة أو حظر المتحرشين، على أهمية هذه الإجراءات، وإنما في تغيير الثقافة التي تسمح له بأن يرى المرأة موضوعاً متاحاً للتعليق والاستغلال نحن بحاجة إلى تربية مختلفة منذ المدرسة؛ تربية تقوم على مفهوم الموافقة، واحترام الحدود الشخصية، والمساواة، والمسؤولية الرقمية، ورفض العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ماذا عن القانون؟
لا يمكن مواجهة التحرش بالوعظ الاجتماعي وحده حين تكون هناك جريمة أو اعتداء أو ابتزاز، ينبغي أن تكون هناك حماية قانونية واضحة وآليات فعالة للإبلاغ والتحقيق والمساءلة، مع ضمان عدم تعرض الضحية للوصم أو الانتقام كما تحتاج المؤسسات التعليمية وأماكن العمل والمنصات الرقمية إلى سياسات واضحة لمواجهة التحرش، لا أن تكتفي بإصدار بيانات عامة عن "الاحترام" و"السلوك اللائق" فالبيئة الآمنة لا تبنى بالشعارات، وإنما بإجراءات واضحة يعرف الجميع من خلالها: ما الذي يعد تحرشًا؟ كيف يمكن الإبلاغ؟ من يحمي الضحية؟ وما العقوبة التي تنتظر المعتدي؟
وفي المجال الرقمي تحديداً، ينبغي أن تترافق الحماية القانونية مع رفع الوعي بكيفية حفظ الأدلة والإبلاغ عن الحسابات والمحتوى المسيء، لأن كثيراً من الضحايا لا يعرفن كيف يتصرفن في اللحظة الأولى، وقد يؤدي الخوف أو الارتباك إلى حذف الرسائل والصور التي يمكن أن تكون أدلة مهمة.
مسؤولية المجتمع
لن تنجح مواجهة التحرش إذا بقيت مسؤولية النساء وحدهن على الأسرة أن تعلم أبناءها احترام الآخرين، لا أن تعلم بناتها الخوف منهم وعلى المدرسة أن تقدم مفهوماً حقيقياً للمواطنة والمساواة، لا أن تعيد إنتاج الصور النمطية عن الذكر والأنثى وعلى المؤسسات أن توفر بيئات عمل خالية من الاستغلال والتحرش وعلى الإعلام أن يتوقف عن تقديم المرأة بوصفها جسدا قابلًا للتقييم والتعليق أما نحن، أفراد المجتمع، فعلينا أن نتوقف عن الضحك على التحرش باعتباره "مزحة"، وعن مشاركة الصور الخاصة، وعن إعادة نشر الفضائح، وعن لوم الضحية في كل مرة نشارك فيها صورة لامرأة من دون موافقتها، أو نضحك على تعليق جنسي، أو نبرر للمتحرش، أو نسأل الضحية "لماذا فعلتِ ذلك؟"، فإننا نساهم، بطريقة أو بأخرى، في استمرار البيئة التي تنتج التحرش.
نحو فضاء أكثر أماناً
إن مواجهة التحرش الجنسي ليست معركة ضد الرجال، كما يحاول البعض تصويرها، وإنما معركة ضد سلوك يقوم على انتهاك الحرية والكرامة الإنسانية والحركة النسوية حين ترفع صوتها ضد التحرش لا تطالب بامتياز للنساء، بل تطالب بحق أساسي: أن يعيش الإنسان دون أن يكون جسده أو جنسه سببًا في تعرضه للإهانة أو الاستغلال أو الخوف لقد انتقل التحرش من الشارع إلى الشاشة، لكنه لم ينتقل وحده؛ انتقلت معه الثقافة التي سمحت له بالوجود ولذلك فإن تغيير الأدوات من دون تغيير الثقافة لن يحل المشكلة نحتاج إلى مجتمع لا يطلب من المرأة أن تختفي كي تكون آمنة، بل يجعل الرجل مسؤولًا عن سلوكه مجتمع لا يراقب ملابس الضحية، بل يراقب سلوك المعتدي. مجتمع لا يحول الخوف إلى قدر نسوي، ولا يجعل الصمت شرطًا للنجاة فالحرية في العالم الواقعي لا تكتمل إذا كانت المرأة تخشى الشارع، والحرية في العالم الافتراضي لا تكتمل إذا كانت تخشى شاشة هاتفها.
ومعنى أن تكون المساحات العامة والافتراضية آمنة، هو أن تستطيع المرأة أن تكون فيها إنسانة كاملة، لا جسداً متاحاً للنظر والتعليق والاستغلال. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: ليس بإسكات النساء، وإنما بإسكات الثقافة التي تعطي المتحرش مبرراته، وتمنح المعتدي حصانة اجتماعية، ثم تطلب من الضحية أن تصمت.