|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
يحيى الجعفري
!--a>
2026 / 8 / 29
دعمُ المرأة في مواجهة العنف والتحرش واجبٌ، وما برحتُ ملتزمًا به، لا أتردد فيه لحظةً واحدة. لكن ثمة فارق كبير يضيع غالبًا في هذا العصر بين نشطاء المجال العام، الذين تاهت عنهم فريضة القراءة، وهو أن نرفض العنف والتحرش، وبين أن نصدّق كل اتهام بمجرد أن يُقال، فيصبح صاحب الاتهام مجنيًّا عليه، والمتهم جانيًا، وعليه أن يثبت براءته.
فمع بروز شعار «نصدّق الناجيات»، والذي بدأ حاملًا رسالةً نبيلة هدفها أن تتكلم المرأة عن العنف والتحرش الذي يحيط بها من كل جانب في هذا المجتمع ولا تستطيع أن تنطق ببنت شفة، إلا أنه، وللأسف، تحوّل عند الكثيرين من رسالة تشجيع إلى قاعدة حكم سابقة على النظر إلى حقائق الوقائع ذاتها، ومن هنا بدأت الكارثة.
الخوف ليس دليل صدق، وهو أيضًا ليس دليل كذب
مع تنامي شعار تصديق المعنَّفات، لاحت في الأفق مشكلة أكبر وأكبر، فما بين «نفهم لماذا أنتِ خائفة» إلى القول الكارثي «خوفك دليل على أنك تقولين الحقيقة ولا يحق لأحد تكذيبك»، والأول مقبول، أما الثاني فهو جرم في حق المجتمع وحق المرأة قبل الرجل.
النيابة درع في مواجهة البلاغ الكاذب، ولكن الإعلام ليس بلاغًا
ربما تتورع الزاعمات بالتحرش عن الإبلاغ، ولكن في الوقت نفسه لا تتورع بعضهن عن الزعم بما لم يحدث، وجدير بالذكر أن ثمة دراسة تدّعي «تحليلًا تلويًا» أجرته الباحثتان كلير إي. فيرجسون من جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا (QUT)، وجون إم. مالوف من جامعة نيو إنجلاند في أستراليا. ونُشر عام 2016 في دورية Archives of Sexual Behavior، إلى أن معدل البلاغات الكاذبة المؤكدة في الدراسات السبع التي شملها التحليل بلغ نحو 5.2%، مع فاصل ثقة بلغ 95%. ولا تعني هذه النسبة أن كل بلاغ لم ينتهِ بإدانة كان كاذبًا؛ فالبراءة أو عدم كفاية الأدلة لا يثبتان بذاتهما التلفيق. لكنها تؤكد نقطة جوهرية: البلاغ الكاذب موجود بالفعل، وإن كان أقلية، ولذلك لا يجوز أن يتحول مجرد الاتهام إلى يقين سابق على التحقيق والحكم.
فإذا ما وضعنا في الاعتبار الفوارق الفكرية والثقافية والمجتمعية بين المجتمعين، فمن في هذه المجتمعات سيزيد عن الآخر؟ أترك الإجابة لقارئ هذا المقال.
حين تتحول الشكوى إلى حكم
كان من الضروري اجتماعيًا أن يُقال للنساء: «تحدثن، فلن يكون الإبلاغ وسيلةً للتشكيك فيكن، ولن يُنظر إلى صمتكن السابق كدليل مسبق على أن ما تقلنه غير صحيح، هذه كانت الرسالة الضرورية والتي يجب على المجتمع حتى لحظتنا الاستمرار في طرحها، لكن هذه الرسالة بكل تأكيد لا تصل ولا يجب أن تصل إلى أن نحول الشكوى إلى حكمًا نهائيًا، فبهذه الحالة سنسقط».
يمكننا، بل ينبغي علينا أن نتعاطف مع المبلّغات في قضايا العنف والتحرش، ونطالب بحمايتهن، ونرفض التشهير بهن أو معاقبتهن مجتمعيًا، لكن في الوقت ذاته نتمسك بقاعدتنا القانونية الأشهر: «المتهم بريء حتى تثبت إدانته». وهنا بالطبع لا يزال التحليل جاريًا، ويجب أن يستمر وفق ضمانات كاملة لمسيرة تحقيق عادلة تضمن حق المدعية في بيئة آمنة للتحقيق تتسم بالحماية والسرية اللازمة، وكذلك تلتزم بمفهوم الجريمة والاتهام، ما يتطلب بالضرورة أن نستبعد سؤالًا عاطفيًا، وهو «من روايته أكثر عاطفية؟» ونستند إلى الأسئلة القانونية المنطقية: «هل ثبتت الواقعة، أو كيف نثبتها أو ندحضها؟» ولا يتم ذلك كله إلا في بيئة كما تضمن حقوق الشاكية تضمن حقوق المتهم في إجراءات تقاضٍ عادلة، فالاتهام لا يجب أن يُوقِع على المتهم عائق إثبات البراءة، فبهذه الطريقة يضيع المبدأ الأصيل في القانون: «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، بل وينقلب إلى «المتهم مدان وعليه أن يثبت براءته».
يجب القول إن جوهر القانون منذ بدء الخليقة وحتى اليوم لا يعتبر رواية الادعاء حقيقة مكتملة، ولا حتى الأدلة المقدمة، فكلاهما واجب أن يدخل مراحل متعددة من الفحص والتمحيص، ولهذا فإن العبء هنا ينتقل من المتهم إلى المحكمة بالأساس، مضافًا لها المتهم، سواء بشخصه أو بشخص محاميه.
إن هذا القول ليس تحاملًا على المدعية، بل احترامًا لمبدأ قدسية العدالة والقانون، وهو يقع بالضرورة في الصالح العام للمرأة؛ فتحويل الادعاء إلى حقيقة واقعة، دون فحص أو مناقشة، يضع النساء في موضع شك دائم من كونهن «يدّعين» ما ليس بحادث.
فكرة أقدم من حملات «فيسبوك»
إن ما نطرحه الآن ليس من قريحة ذاك الشاب الأربعيني، الذي يكتب هذا المقال، وهو يدرك بالطبع أن القارئين له لن يتجاوزوا بضع عشرات على أقصى تقدير، بل هو فكرة عمرها قرون أكدها فلاسفة وقضاة على مر الأزمان وفي كل الأمكنة، ففي القضاء الروماني في القرن الثالث الميلادي، أكد القانون على مبدأ «حجية القانون والحكم القضائي»، ليعبر عنه بعد ذلك الفقيه مودستينوس في قولته res judicata، والذي يمكن ترجمته إلى «أن الحقيقة هي الأمر المقضي به، وهو ما تنتهي به الخصومة»، سواء ببراءة المتهم أو إدانته، والسؤال البارز هنا: «ماذا بعد حملات التشهير ثم الحكم بالبراءة؟»
ومن رحم هذا الحديث انطلق القاضي الإنجليزي الموسوعي وليام بلاكستون ليرسخ لمبدأ آخر يجب الاحتجاج به في هذا السياق، وهو «لأن يفلت عشرة مذنبين من العقاب، خير من أن يُسجن بريء واحد»، وهنا لم يكن بلاكستون ذلك القاضي الذي وضع أسس التقاضي في بداية عصر النهضة بإنجلترا شخصًا مفرطًا في عدالته، بل إنه هنا يؤكد على القيمة التي ذكرناها سابقًا، وهي أن نرفض الافتئات على القانون، فكيف لنا بعد أن نطرح مبدأ «نصدق الناجيات»، وندين المتهمين مسبقًا؟
ماذا نريد إذن؟
إنني وغيري من هؤلاء الذين يعترضون على هذا المبدأ لا يسعون أبدًا إلى التشكيك في المرأة، ولكن لا نريد في المقابل أن نعطي رخصة مرور غير مشروطة لأي اتهام، إننا نطمح إلى التعامل مع هذه القضية بشكل يضمن التوازن، نعم يجب إظهار التعاطف مع المرأة لتشجيعها على الإبلاغ، ونعم يجب حماية الشهود والمبلغين بالقانون، يضمن سرية وحماية الشاكية، بل إننا في الوقت ذاته ندعو إلى بناء مجتمع لا يعاقب الضحية بدلًا من أن يعاقب مرتكب الجريمة، ولكن وعلى الرغم مما سبق ذكره فإننا نطمح أن يكون الحق في الإبلاغ والحديث لا يتخطى توصيفه قانونًا أنه بلاغ جاد يجب التحقيق فيه، تحقيقًا يتسم بالعدل والإنصاف، تحقيقًا تتوافر فيه كل مبادئ القانون سواء التي ذكرناها أو غابت عن ذاكرتنا، تحقيقًا يحمي الطرفين من الانتقام والتشهير، ويعاقب من يقوم بهذين الجرمين، وأخيرًا فإننا نطمح في المحاكمة وتقاضيها ألا يؤثر على عقيدة المحكمة، وهي أهل لذلك، أي موجات إعلامية غاضبة، أو تعاطف مع قصص ربما تكون حقيقية وربما تكون من بنات خيال أصحابها.
ونخلص هنا بالقول إننا ندعم المرأة، نرفض العنف والتحرش، ونحمي المبلّغات، ونشجّع على الإبلاغ — لكن لا تطلبوا منا أن نصدّق جميعهن دون تحقيق. فالعدالة لا تنحاز للرجل ولا للمرأة، العدالة تنحاز لذات الحقيقة، وللدليل وحده. وإذا كانت التشريعات ذات الصلة قد وُضعت لحماية المرأة من العنف، فقد وُضعت أيضًا سائر القوانين لحماية الإنسان — أي إنسان — من الظلم. هذا، في النهاية، هو سبب وجودها: ألا يُظلم أحد.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|